لأعوام طويلة، بقيت الموسيقى الإلكترونية في السعودية حبيسة المساحات المغلقة والتجارب الفردية المحدودة، لم تكن جزءًا من المشهد الثقافي العام، ولا تحظى باعتراف واسع.
لكن بعد عام 2018، بدأ المشهد يشهد تحوّلًا جذريًا، تزامن مع انفتاح ثقافي واجتماعي واسع، وظهور منصات ومهرجانات كبرى لعبت دورًا محوريًا في نقل الموسيقى الإلكترونية من الهامش إلى الواجهة.
هذا التحول لم يكن مجرد تغير في الذائقة الموسيقية، بل انعكاس لرغبة جيل جديد في التعبير عن نفسه بلغة عالمية، تستخدم الإيقاع والتكنولوجيا بدل الكلمات، وتبحث عن هوية صوتية معاصرة لا تنفصل عن الجذور المحلية.
MDLBEAST… البوابة الكبرى للمشهد الإلكتروني
لا يمكن الحديث عن صعود الموسيقى الإلكترونية في السعودية دون التوقف عند منصة MDLBEAST، التي شكلت نقطة انعطاف حقيقية.
من خلال مهرجاناتها وبرامجها المتنوعة، وفرت المنصة بنية تحتية لم تكن موجودة سابقًا، وجمعت فنانين محليين وعالميين على مسرح واحد، ما ساهم في نقل الخبرات ورفع مستوى الإنتاج والعروض.
أصبحت MDLBEAST مساحة لاكتشاف المواهب، ونافذة عبور للفنانين السعوديين نحو جمهور أوسع، ورسخت فكرة أن الموسيقى الإلكترونية يمكن أن تكون جزءًا من الثقافة المحلية، لا مجرد استيراد عابر من الخارج.
النوادي والمهرجانات: مختبر الصوت الجديد
بعيدًا عن المسارح التقليدية، لعبت النوادي الليلية والمهرجانات دور المختبر الحقيقي لتطور المشهد، وفي هذه المساحات، وُلدت تجارب صوتية جريئة تمزج بين التكنو، والهاوس، والأنماط التجريبية، مع لمسات مستوحاة من الإيقاعات المحلية والبيئة الصحراوية.
هنا، لم تعد الموسيقى مجرد خلفية للرقص، بل تجربة حسية كاملة، تتيح للجمهور التفاعل والانغماس، وتحوّل المكان إلى مساحة حرّة لإعادة تعريف العلاقة بين الصوت والجسد والهوية.
حين تلتقي الموسيقى بالفن والموضة
تجاوز تأثير الموسيقى الإلكترونية حدود الصوت، ليصل إلى عالم الفن المعاصر والموضة، باتت العروض الفنية، ومعارض الفن التفاعلي، وحتى عروض الأزياء، تعتمد على الموسيقى الإلكترونية كعنصر أساسي في بناء التجربة البصرية والسمعية.
هذا التكامل خلق مشهدًا ثقافيًا متشابكًا، حيث يعمل الفنانون والمصممون والموسيقيون ضمن لغة واحدة، تعكس روح مدينة حديثة تسعى إلى إعادة تعريف نفسها، وتقديم صورة معاصرة للثقافة السعودية.
Cosmicat: صوت نسائي يعيد رسم الخريطة
في قلب هذا المشهد، برزت Cosmicat كأحد أبرز الأصوات النسائية في الموسيقى الإلكترونية السعودية.
بأسلوبها الذي يمزج بين الإيقاعات العميقة والطبقات الصوتية التجريبية، استطاعت أن تفرض حضورها محليًا وعالميًا، وأن تشارك في مهرجانات دولية مرموقة.
أهمية Cosmicat لا تكمن فقط في موسيقاها، بل في كونها رمزًا لتغير أوسع، حيث أصبحت المرأة جزءًا فاعلًا في مشهد كان حكرًا على الرجال، وساهمت في توسيع آفاق التعبير الفني داخل السعودية.
Dish Dash: مشروع محلي بعقلية عالمية
يشكل الثنائي Dish Dash، المكوّن من الأخوين حسن وعباس غزّاوي، أحد أعمدة المشهد الإلكتروني السعودي، انطلقت تجربتهما من النوادي المحلية، قبل أن تمتد إلى منصات ومهرجانات عالمية، مدفوعة بأسلوب يعتمد على البساطة، والعمق الإيقاعي، والتفاعل المباشر مع الجمهور.
من خلال مشروعهما “IN ACT”، لم يكتفِ الثنائي بتقديم عروض موسيقية، بل سعيا إلى خلق مساحة تجمع بين الموسيقى والفن الأدائي، ما عزز الطابع التجريبي للمشهد، وربط الجمهور المحلي بحركة إلكترونية عالمية.
Baloo: جسر بين الصحراء والديجيتال
يمثل Baloo نموذجًا للفنان الذي يجيد اللعب على التناقضات، موسيقاه تمزج بين الإيقاعات الإلكترونية الحديثة والعناصر الصوتية المستوحاة من البيئة المحلية، لتخلق تجربة تأخذ المستمع من الصحراء إلى الديجيتال بسلاسة.
هذا المزج لا يبدو مجرد خيار فني، بل تعبير عن هوية سعودية جديدة، قادرة على استيعاب التأثيرات العالمية دون أن تفقد خصوصيتها.
هوية صوتية تتشكل
ما يحدث اليوم في مشهد الموسيقى الإلكترونية السعودية يمكن وصفه بولادة هوية صوتية جديدة. هوية لا تقوم على تقليد الغرب، ولا على اجترار التراث، بل على إعادة تفسيره باستخدام أدوات العصر.
إنها موسيقى تعكس تحولات مجتمع كامل، وتعبّر عن جيل يرى في الإيقاع وسيلة للتواصل مع العالم.
من الصحراء إلى الديجيتال، قطعت الموسيقى الإلكترونية السعودية رحلة قصيرة في الزمن، لكنها عميقة في المعنى.
رحلة من الهامش إلى المركز، ومن التجربة الفردية إلى المشهد المتكامل. ومع استمرار هذا الزخم، يبدو أن السعودية لا تكتفي بالمشاركة في المشهد الموسيقي العالمي، بل تسعى إلى ترك بصمتها الخاصة فيه.