يمثّل فن الشيلات أحد أكثر الألوان الفنية حضورًا في الوجدان الشعبي السعودي، كونه امتدادًا مباشرًا للتراث الشفهي والذاكرة البدوية، هذا الفن، الذي يقوم على إنشاد الشعر النبطي بأسلوب حماسي ومن دون استخدام المعازف، استطاع أن ينتقل من فضاء البادية إلى المشهد الإعلامي الحديث، محافظًا على جذوره ومتكيفًا مع تحولات العصر.
الجذور التاريخية: من الحداء إلى الشيلة
تعود أصول الشيلات إلى فن الحداء، وهو الغناء الذي كان يرافق قوافل السفر والتنقل في الصحراء، ويؤدى لتنشيط الإبل ورفع معنويات المسافرين. ومع مرور الزمن، تطور الحداء ليأخذ أشكالًا أكثر تنظيمًا من حيث اللحن والإيقاع، إلى أن تشكّل ما يُعرف اليوم بالشيلة.
وقد ارتبط هذا الفن تاريخيًا بالقبائل السعودية، حيث استُخدم للتعبير عن الفخر، والمدح، والحماسة، والرثاء، وتوثيق البطولات والأحداث الاجتماعية.
المسار الفني: من المجالس إلى المنصات الرقمية
ظل فن الشيلات لسنوات طويلة محصورًا في المجالس والمناسبات الخاصة، قبل أن يشهد نقلة نوعية مع انتشار القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي.
أسهمت الاستوديوهات المتخصصة في تسجيل الشيلات بجودة احترافية في توسيع قاعدة جمهورها، كما ساعدت المنصات الرقمية على وصولها إلى شرائح شبابية داخل السعودية وخارجها، لتتحول من فن محلي إلى ظاهرة شعبية واسعة الانتشار.
الأسلوب والخصائص الفنية
تعتمد الشيلة على قوة الكلمة الشعرية، وحضور الصوت، والإيقاع الناتج عن الأداء نفسه، من دون الاعتماد على الآلات الموسيقية.
هذا الطابع منحها هوية خاصة تميزها عن الغناء التقليدي، وجعلها أقرب إلى الإنشاد، مع احتفاظها بطاقة حماسية عالية، كما تنوّعت أساليب الأداء بين الشيلات الحربية، والوجدانية، والوطنية، والاجتماعية، ما أتاح لها مواكبة مختلف المناسبات.
أبرز الأسماء والانتشار الجماهيري
برز عدد من المنشدين الذين لعبوا دورًا محوريًا في انتشار فن الشيلات وتطويره، من بينهم محمد بن غرمان وفهد بن فصلا، حيث حققت أعمالهم ملايين المشاهدات على منصات الفيديو.
هذا الانتشار الجماهيري عزز مكانة الشيلة كأحد أكثر الفنون الشعبية تداولًا في السعودية، وأكسبها حضورًا دائمًا في الأعراس، الاحتفالات الوطنية، وحفلات التخرج.
البعد الثقافي والاجتماعي
لم يعد فن الشيلات مقتصرًا على الإطار القبلي، بل تحوّل إلى وسيلة للتعبير عن قضايا وطنية واجتماعية، ومشاعر جماعية تتعلق بالانتماء والهوية.
كما أن غياب المعازف أسهم في منحه قبولًا واسعًا لدى جمهور محافظ، ما جعله جسرًا بين التراث والتعبير الفني الحديث، وفي السنوات الأخيرة، أصبحت بعض الشيلات جزءًا من الثقافة الرقمية، متصدرة الترندات ومستخدمة في المحتوى المرئي على نطاق واسع.
تراث حي يتجدد
فن الشيلات السعودي هو أكثر من مجرد لون فني؛ إنه امتداد لهوية ثقافية عميقة تعكس تاريخ المجتمع وقيمه.
وبين الأصالة والتجديد، يواصل هذا الفن حضوره كأحد أهم أشكال التعبير الشعبي في المملكة، محافظًا على روحه التراثية، ومنفتحًا في الوقت ذاته على أدوات العصر الحديث.