اتخذ أهل البحر الترفيه والغناء وسيلة ترويح عن أنفسهم، لما له من أثر بالغ على نفسية الفرد أثناء العمل، خصوصًا البحارة، فالإنشاد والغناء ضمن القيم والمبادئ الإسلامية كان يخفف التعب،ويُدخل السرور إلى النفس، ويشير الإمام أبو حامد الغزالي إلى أهمية هذا الجانب قائلاً: «من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج ليس له علاج»، ما يؤكد دور المباح من الغناء والموسيقى في تنمية الإحساس الجمالي لدى الإنسان ورفع الذائقة السمعية.
أسلوب الأغاني البحرية وأداء البحارة
تتميز الأغاني البحرية بالجانب الجماعي، حيث يؤديها البحارة أو الصيادون بعدة أشكال وألوان إيقاعية، مع إبداعات المغن الذي يجذب أفراد السفينة، بينما يشارك البحارة بترتيلات غنائية، بما يحقق انسجامًا فنيًا جماعيًا، وتعتمد هذه الأغاني على دلالات ورموز إيحائية متعددة، وتستمد أصولها أحيانًا من التصوف والابتهالات والدعاء، ما منحها بعدًا روحانيًا وجماليًا عميقًا.
تزاوج الموروث البحري مع الأغنية السعودية الحديثة
مع تطور الفن، بدأت مواويل البحارة تُلحّن وترافقها آلات موسيقية، ليصبح الغناء البحري شريكًا في الأغنية السعودية الحديثة، ويُعد أحد أوجه الهوية الثقافية في المملكة، وقد بدأ تصنيف الأغاني البحرية في الفترة بين 1319-1324هـ/1902م، وبرز بشكل واضح في الحجاز عام 1906م، نتيجة التراكم الحضاري البحري العميق للمنطقة.
رواد الغناء البحري السعودي
يُعتبر الفنان الشريف هاشم العبدلي رائد النهضة الغنائية البحرية في السعودية، حيث قدم أول النماذج الغنائية المتزاوجة بين البحر والموسيقى، متميزة بأسلوب فني وإيقاعي فريد يختلف عن مصر واليمن والدول العربية الأخرى، ومن بين المؤسسين الكبار للموسيقى السعودية: محمود مؤمنة ومحمد رئيس، إضافة إلى الموسيقار طارق عبدالحكيم، الذي أسس مقامات الحجاز وأصولها، مستخدمًا إيقاع “الدانة” المرتبط بالبحر، والذي يعود تاريخه إلى أكثر من 870 عامًا.
أبرز الأغاني البحرية
من الأغاني البحرية الشهيرة التي انتقلت إلى الأغنية الحديثة:
«ترفق عزولي»، التي تحمل كلمات تصوفية وروحانية عميقة، وتصف الحب والغزل في عالم البحر.
«أراك عصي الدمع»، والتي تضمنت عناصر غزلية وموسيقية، معبرة عن الهوى والشوق بأسلوب شعري متقن.
كما تضمنت الأهازيج البحرية الصغيرة التي يُعرف بعضها بـ “الزامل”، وهي أهزوجات شعبية كان البحارة يتبادلونها أثناء البحث عن اللؤلؤ، كلمات قصيرة وحكايات موسيقية تعكس حياتهم اليومية، مثل:
“دمعي تحدر على وجناي واستاهل
وهلال سعدي ابد ما بان واستاهل
هذا جزا من رابع الانذال يستاهل
رابعت صاحب ذهب اليوم فضة قلب”
الأهازيج والزامل في التراث الشعبي
الزَّمَل أو الزوامل هي الأهازيج الصغيرة الشعبية، وقد جاء ذكرها عند الزمخشري: «زملت القوسُ، ولها أزْمَلٌ: صوتٌ والسقاة يَزْمِلون ولهم زَمَلٌ وهو الرَّجَز، وتزاملوا: تراجزوا»، وقد استخدم البحارة هذه الأهازيج في التواصل والترفيه، وشكلت جزءًا من الهوية الموسيقية والتراثية للمنطقة.