الصوالين

“العيون التونسية”: أغنية طلال مداح التي كانت سببًا في زواج لطفي زيني وقمر بلقاضي

يُعرف عن طلال مداح، صوت الأرض، أنه لم يغنِ فحسب، بل صاغ لحظات رومانسية خالدة عبر ألحانه، ومن بين أغنياته الجميلة، “العيون التونسية” التي كتبها لطفي زيني وغناها طلال مداح، تحمل قصة حب فريدة بين الشاعر والمذيعة التونسية قمر بلقاضي، والتي كانت سببًا في زواجهما لاحقًا.

مولد الأغنية وحكايتها

في عام 1969، كان لطفي زيني وطلال مداح ضيفين على وزارة الثقافة في تونس للمشاركة في أعياد ميلاد الرئيس الحبيب بورقيبة، كانت قمر بلقاضي تعمل مذيعة في الإذاعة التونسية، وتغطي جميع الفعاليات، حيث قابلت طلال مداح ولطفي زيني لأول مرة.

تروي قمر زيني:

“كنت مغرمة بأغاني طلال مداح، وجلست معه ومع بابا طاهر زمخشري أثناء تسجيل الأغنية في الاستوديو.”

أول لقاء وشرارة الإلهام

خلال تسجيل الأغنية، لاحظت قمر نظرات لطفي زيني لها، وكانت تلك البداية لحدوتة رومانسية جميلة. الأغنية نفسها تقول في مطلعها:

“يا قمر تونس حنانك بالقلوب العاطفية
كملك ربي وزانك بالعيون التونسية”

كان للحن طلال مداح الخاص وبصمته الرومانسية دور كبير في نقل المشاعر والاهتمام، مما جعل الأغنية ذات وقع ساحر على كل من استمع إليها.

الأغنية سبب الزواج

تروي قمر:”بعد يومين جاء طلال مداح للإذاعة وأخبرني أنه جاء ليخطبني للطفى زيني، فقبلت ضاحكة.”

تضيف: “لطفي زيني قال لي: كتبت الأغنية فيك أنت، ولم أعرف أي بنات تونس غيرك.”

بهذه الطريقة، تحولت أغنية فنية إلى قصة حب حقيقية، ليصبح “العيون التونسية” ليس مجرد لحن جميل، بل جسرًا لرومانسية حقيقية.

إرث فني يتجاوز الحدود

الأغنية لم تقتصر على كونها حكاية حب، بل أصبحت جزءًا من التراث الغنائي العربي، حيث يظهر فيها فن طلال مداح في التعبير عن المشاعر وموهبة لطفي زيني في الكتابة الشعرية، مقدمة مثالًا رائعًا على التقاء الفن والرومانسية.

بليغ حمدي وإعجابه بالأغنية السعودية: “لا لا يالخيزرانة”

يُعرف بليغ حمدي (1931–1993) بأنه عبقري الألحان في الأغنية العربية، صاحب الجمل الموسيقية الرشيقة والخفيفة، الذي أحدث ثورة في الأغنية الرومانسية الشرقية، وزاحم في عصره كبار الملحنين أمثال محمد عبدالوهاب ورياض السنباطي.
ومع أشهر الفنانين مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة الجزائرية، صاغ بليغ أعمالًا خالدة، لكنه كان أيضًا مستمعًا متابعًا للأغنية السعودية، وهو جانب أقل شهرة من مسيرته.

اكتشاف الموسيقى السعودية

في منتصف السبعينات، خلال لقاء تلفزيوني أعدّه الفنان الراحل طلال مداح للتلفزيون السعودي، ظهر بليغ حمدي برفقة الملحن السعودي سراج عمر، وأبدى إعجابه بالأغنية السعودية وإيقاعاتها الخاصة.
وقال بليغ:

“بدت الناس تحبها وتحس فيها، والطابع القومي واضح، ولها شخصية وأسلوبها وكلماتها واضحة، وهذا سبب انتشارها على نطاق أوسع.”

وأضاف أنه أعجب بالعرضة والمجرور والسامري، وذكر لحنًا سعوديًا محددًا أعجبه بشدة:

“سمعت مرة لحن اسمه ‘لا لا يالخيزرانة’ تحس إنه معمول عليها رقصة.”

تعاون مع نجوم الأغنية السعودية

لم يتوقف اهتمام بليغ عند الاستماع فقط، بل تعاون مع رموز الغناء السعودي، مثل:

طلال مداح في أغنية “يا قمرنا” (كلمات المنتظر)

محمد عبده في أغنية “يا ليلة”

وقد أشار إلى أن الشعراء السعوديين مثل الأمير عبدالله الفيصل، الأمير محمد العبدالله الفيصل، والأمير بدر بن عبدالمحسن يقدمون كلمات واضحة وسهلة التلحين، ما يجعل الأغنية السعودية جذابة للملحنين العرب.

الأغنية السعودية بين الإعجاب والتقدير

اعتبر بليغ حمدي أن الأغنية السعودية لها هوية قوية وإيقاعات مميزة، قادرة على الانتشار وتحريك المشاعر، وهو ما جعله يقدر التراث الموسيقي المحلي ويثني على بساطة جملة الأغاني السعودية ورشاقتها.

بهذا، لم يكن بليغ مجرد ملحن عبقري في الأغنية المصرية والعربية، بل مستمعًا واعيًا للأغنية السعودية، واكتشف فيها جماليات وألوانًا موسيقية ألهمته وفتحت له أفقًا جديدًا في فهم الموسيقى العربية.

أربع أغنيات وطنية خالدة في ذاكرة السعوديين

لطالما ارتبطت الموسيقى بالمشاعر الإنسانية، فهي ليست مجرد ألحان تُسمع، بل حالة وجدانية تجسد مشاعر الإنسان وحبه ووفاءه، وتتجلى هذه الحقيقة بصورة واضحة في الأغنية الوطنية السعودية التي لم تكتفِ بالتعبير الفني فقط، بل تجاوزت ذلك لتصبح ذاكرة حيّة تحفظ تاريخ الوطن في وجدان أبنائه.

وفي مشهد موسيقي ثريّ بالألحان والكلمات المؤثرة، قدّم الفنانون السعوديون أعمالًا وطنية خالدة، رسخت في الذاكرة عبر عقود،نستعرض هنا أربع أغنيات شكلت وجدان السعوديين، وأصبحت جزءًا من مشاعر الانتماء لدى كل جيل.

1) “وطني الحبيب” – طلال مداح: صوت لا يغيب

تعد أغنية «وطني الحبيب» للفنان الراحل طلال مداح واحدة من أكثر الأغنيات الوطنية رسوخًا. كتب كلماتها مصطفى بليلة، وأذيعت لأول مرة عام 1961، لتنتشر بفضل اللحن الشجي والكلمات العميقة.

وتميزت الأغنية بظهورها المتكرر في الدراما السعودية باعتبارها عملًا يختصر المشهد الوطني بكلماته وألحانه.

مقطع من كلمات الأغنية:

روحي وما ملكت يداي فداه..
وطني الحبيب وهل أحب سواه
وطني الذي قد عشت تحت سمائه..
وهو الذي قد عشت فوق ثراه

2) “فوق هام السحب” – محمد عبده: مرحلة جديدة للأغنية الوطنية

قدّم محمد عبده أغنية «فوق هام السحب» من كلمات الأمير بدر بن عبد المحسن، وارتبطت بحدث افتتاح كأس الخليج بالرياض 1988، لتصبح منذ ذلك الحين أيقونة وطنية.

تُعد هذه الأغنية نقطة تحول في مسار الأغنية الوطنية من حيث اللحن، الكورال، واللغة الفصحى التي عززت قيم الوطنية بعبارات مؤثرة لا تزال تلامس القلوب.

3) “يا موطني” – محمد عمر: انتماء وشجن

تتميز أغنية «يا موطني» بصوت محمد عمر وكلمات علي محمد صيقل، بطابع وجداني عميق ولغة شعرية فصيحة تنبض بالحب والولاء للوطن.

ذاعت الأغنية خلال التسعينيات عبر التلفزيون والإذاعات الرسمية، وأصبحت جزءًا من ذاكرة جيل كامل.

من كلماتها:

وسمٌ على ساعدي نقشٌ على بدني
وفي الفؤاد وفي العين يا وطني
قبّلت فيك الثرى وفوق فمي
من اسمرار الثرى دفءٌ تملكني

4) “وطني الحبيب وهل أحب سواه” – سراج عمر: وفاء بعد الرحيل

غناها الموسيقار سراج عمر من كلمات الشاعر اللبناني سعيد فياض الذي عاش في السعودية عشرين عامًا. كتب كلماتها بعد وفاة الملك فيصل رحمه الله، وغدت الأغنية من أبرز الأعمال الوطنية تعبيرًا عن الحزن والفخر والوفاء.

ظل سراج عمر رمزًا موسيقيًا بارزًا حتى رحيله عام 2003، وأُطلقت بعد وفاته جائزة للإبداع الشعري تحمل اسمه عام 2004.

هذه الأربع الأغاني الوطنية السعودية لم تُقدَّم كأعمال فنية فقط، بل كرسائل وجدانية خالدة تعكس حب الوطن وتنقل هذا الشعور من جيل إلى آخر، لتبقى علامة فارقة في تاريخ الأغنية السعودية.

تيك توك يعيد تشكيل البوب السعودي: من الأغنية الكاملة إلى المقطع الأسرع انتشارًا

لم يعد الفن السعودي يعيش داخل الحدود الجغرافية كما كان في السابق، ولم يعد انتشار الأغنية يعتمد على اسم الفنان وحده أو دعم شركات الإنتاج الكبرى، اليوم، أصبحت منصة مثل تيك توك لاعبًا رئيسيًا في صناعة الذوق الموسيقي، خاصة في البوب الخليجي الذي يشهد تطورًا سريعًا نحو الإيقاع العصري والرفاهية البصرية، بعد سنوات من الاعتماد على الإذاعات والتلفزيون والمنصات التقليدية، جاء تيك توك ليخلق علاقة جديدة بين الفنان والجمهور، تقوم على المشاركة السريعة، والانتشار اللحظي، ونجومية “المقطع” بدلًا من الأغنية الكاملة.

خوارزمية الترند… وتأثيرها على شكل الأغنية الخليجية

قوة تيك توك ليست في كونه منصة لعرض مقاطع قصيرة فحسب، بل في قدرته على إعادة تشكيل ما يسمعه الجمهور وكيف يسمعه، أصبح المستمع الخليجي والعربي يكتشف الأغاني من خلال مقاطع لا تتجاوز عشر ثوانٍ، وهي فترة تكفي لجعل موسيقى ما تتحول إلى ترند يتناقله الملايين، لم تعد الأغنية بحاجة إلى مقدمة موسيقية طويلة أو بناء لحني معقد كما كان في بدايات البوب الخليجي، بل أصبحت تحتاج إلى لحظة واحدة “قوية”، جملة موسيقية حادة أو كلمة تعلق في الذاكرة، إيقاع صادم أو بيت راقص، قادر على الانتشار خلال أيام وربما ساعات.

وبسبب هذا الأسلوب الجديد، تغيّرت طريقة الإنتاج بالكامل، لم يعد الفنان يبدأ من كتابة نصٍ غنائي كامل ثم يبحث عن لحن مناسب، بل يبدأ العديد منهم في التفكير في “اللحظة الذهبية” التي يُمكن أن تُستخدم في فيديوهات مستخدمي تيك توك، وبعد ذلك تبنى الأغنية بالكامل حول هذا الجزء. هذا التغيير جعل الإنتاج أسرع، لكنه خلق سباقًا شرسًا يدفع الفنانيين إلى التركيز على البساطة الجذابة بدلًا من العمق الموسيقي الطويل.

أرشفة جديدة للفن السعودي: الماضي يعود بشكل معاصر

ومن جانب آخر، لم يقتصر تأثير تيك توك على الأغاني الجديدة، بل أعاد الحياة إلى أرشيف الأغنية السعودية القديمة فالمقاطع الكلاسيكية التي صدرت قبل عقد أو عقدين تحوّلت فجأة إلى ترندات، بعد أن استخدمها صناع المحتوى في فيديوهاتهم الكوميدية أو العاطفية، هنا يظهر مثال واضح لعودة أغاني راشد الماجد القديمة، التي انتشرت بين جيل لم يكن قد ولد عندما صدرت هذه الأعمال، بمجرد أن أعاد المستخدمون تدوير مقطع قصير من أغنية “وحشتني سواليفك” أو “الله لو تدري”، أصبحت الأغنية فجأة شابة من جديد، وتحوّل كتالوج راشد وكبار الفنانين إلى مصدر متجدد للإلهام.

حتى بعض الشركات الكبرى، مثل روتانا، بدأت تستثمر في هذه الظاهرة، ليس عبر إنتاج جديد فقط، بل عبر إعادة توثيق وإدراج الأغاني القديمة داخل مكتبة تيك توك الرسمية. وبذلك، تحوّل الأرشيف الغنائي من “مخزن ذكريات” إلى كنز اقتصادي يمكن إحياؤه مرة بعد أخرى من خلال الترندات.

صعود جيل جديد من البوب الخليجي عبر المشاركة وليس الاستماع

أما بالنسبة للجيل الجديد من الفنانين السعوديين، فقد وجدوا أنفسهم أمام فرصة تاريخية. فالفنان لم يعد بحاجة إلى شركات إنتاج ضخمة ليكتشفه الجمهور، بل يكفي أن يقدم مقطعًا قويًا يتفاعل معه الناس. هنا يبرز اسم بدر الشعيبي الذي استطاع من خلال البوب الممزوج بعناصر التراب أن يصنع لنفسه جمهورًا ضخمًا عبر تحديات راقصة ومقاطع رومانسية قصيرة تحولت إلى صوت خلفي لفيديوهات يومية على منصات التواصل.

وبينما كانت الأغنية الخليجية في السابق تُستهلك عبر الاستماع المباشر، أصبح الجمهور اليوم “يشاركها” قبل أن يسمعها بالكامل. انتشار الأغنية لم يعد يبدأ من الأذن فقط، بل يبدأ من الحركة، من الرقص، من التمثيل القصير، أو من ميم كوميدي يتقمص لحنًا ما. وبالتالي، أصبح جزء كبير من نجاح الأغنية يعتمد على قابلية استخدامها في المحتوى اليومي للحياة الحديثة.

مستقبل البوب السعودي بين الهوية والانتشار السريع

على الرغم من هذه التغيرات، فإن هوية الأغنية الخليجية لا تختفي، لكنها تتشكل من جديد. صحيح أن الإيقاعات أصبحت أسرع، وأن الكلمات صارت أكثر مباشرة، لكن الروح المحلية لا تزال حاضرة، سواء في اللهجة، أو الجملة اللحنية الخليجية المشهورة، أو التفاصيل الموسيقية التي تمنح الأغنية شخصيتها. يبدو البوب الخليجي اليوم في منطقة بين الأصالة والتأثير العالمي، يتطور، يتغير، لكنه لا ينقطع عن جذوره.

وقد لا يكون هذا التحول مؤقتًا كما يتوقع البعض، بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة من البوب الخليجي، مرحلة يعتمد فيها الفنان على الذكاء الرقمي بقدر اعتماده على الإبداع الفني، مرحلة يصبح فيها الترند جزءًا من الصناعة، لا عدوًا لها، ويصبح فيها المستمع مشاركًا في خلق نجاح الأغنية، لا متلقيًا فقط.

الموسيقى التصويرية في الدراما والسينما السعودية: لغة جديدة تُعيد تشكيل الهوية البصرية

تشهد صناعة السينما والدراما السعودية تحولًا لافتًا في السنوات الأخيرة، لم يقتصر على جودة الصورة أو قوة النصوص، بل امتد إلى عنصر بالغ التأثير: الموسيقى التصويرية، فقد تحولت الموسيقى من دور ثانوي يرافق المشهد إلى عنصر سردي أساسي يحدد الإيقاع العاطفي للأحداث، ويعكس روح المكان والزمن، ويعبر عن الهوية الثقافية المحلية بطرق إبداعية وحديثة.

أصبحت الموسيقى اليوم جزءًا من «DNA» العمل الفني السعودي، وأحد مفاتيح نجاحه، خصوصًا في ظل ازدهار الإنتاج ودعم الهيئات الثقافية للمواهب الفنية الشابة.

الموسيقى كعنصر يحرك السرد

في الأعمال السعودية الحديثة، لم تعد الموسيقى مجرد خلفية، بل باتت تُستخدم لصناعة المزاج العام وتحديد “نبرة” العمل منذ المشهد الأول، فالأعمال التراثية تعتمد على المقامات النجدية والحجازية التي تنقل المشاهد إلى الزمن الماضي، بينما تعتمد الأعمال العصرية على أنماط إلكترونية وإيقاعية تعكس روح المدن الحديثة مثل الرياض وجدة. هذا التوازن بين الأصالة والحداثة سمح للموسيقى بأن تصبح وسيلة فنية لتصوير البيئة السعودية المتنوعة، من الصحراء والبادية إلى المدينة الحديثة.

كما أصبحت المقطوعات الموسيقية «علامات شعورية» تظهر في اللحظات الحاسمة داخل القصة، فتعزز التوتر أو الحنين أو الغضب أو الأمل، وتمنح المشاهد قدرة أكبر على الاندماج مع الشخصيات.

من الأفلام إلى المسلسلات… كيف تغيّرت التجربة السمعية؟

برزت أفلام سعودية حديثة نجحت في تحويل الموسيقى إلى عنصر مؤثر في السرد، مثل فيلم «وجدة» الذي اعتمد على نغمات بسيطة وهادئة عكست براءة البطلة وصراعها الداخلي، وفيلم «شمس المعارف» الذي استخدم موسيقى إلكترونية عصرية تعكس ثقافة الجيل الجديد، وفي المقابل، احتفى فيلم «حد الطار» بالتراث الموسيقي النجدي، مُعيدًا تقديم الإيقاعات الشعبية بلمسة حديثة أكسبته روحًا محلية أصيلة.

أما على مستوى الدراما، فشكّل مسلسل «العاصوف» مثالًا مهمًا على الدور الوثائقي للموسيقى، إذ أعاد إحياء الإيقاعات القديمة المستخدمة في الرياض خلال السبعينيات والثمانينيات، مما جعل المشاهد يعيش التجربة التاريخية لا كمتفرج فقط، بل كجزء من الزمن، ومن جهة أخرى، قدّم مسلسل «رشاش» موسيقى مفعمة بالتوتر والإيقاع السريع، تجمع بين الطابع الغربي والمسات الخليجية، لتعزيز أجواء المطاردة والإثارة في كل حلقة.

الموسيقى التراثية… ذاكرة تُعيد تعريف الهوية

يظهر بوضوح أن صناع السينما والدراما السعودية باتوا يدركون أهمية توظيف الإرث الموسيقي المحلي، سواء من خلال آلات مثل العود والناي والربابة، أو من خلال الإيقاعات الشعبية كالسامري والخبيتي والمجرور، هذا الدمج بين التراث والصوت السينمائي الحديث يمنح الأعمال مصداقية وثقلاً تاريخيًا، ويخلق جسرًا بين ذاكرة الجيل السابق وفضول الجيل الجديد.

فالموسيقى المستمدة من التراث ليست مجرد «زينة»، بل أداة لإحياء الذاكرة الجماعية. مقطع موسيقي واحد يكفي لاستدعاء صور من الماضي، ولمنح المشاهد إحساسًا بالمكان والزمان قبل ظهور أي كلمة على الشاشة.

ملحنون سعوديون يصنعون المستقبل

برز في السنوات الأخيرة عدد من الملحنين السعوديين الذين أسهموا في بناء مشهد موسيقي جديد في السينما والدراما، عبر التخصص في إنتاج موسيقى أصلية (Original Score) تُصاغ خصيصًا للعمل، بدلاً من الاعتماد على مكتبات صوتية جاهزة. هذا التوجه عزز الاحترافية، ورفع جودة الأعمال، وأرسى قاعدة ثابتة لوجود «صوت سعودي» مميز في المنطقة.

كما لعبت هيئة الموسيقى وهيئة الأفلام دورًا محوريًا في دعم هذا المسار، من خلال برامج تطوير المواهب، وتمويل المشاريع، وتمكين الشباب للمشاركة في المهرجانات الدولية.

الموسيقى السعودية… صوتٌ يتقدم للأمام

ما تشهده الأعمال السعودية اليوم من تطور في الموسيقى التصويرية ليس مجرد تحسين تقني، بل هو تغيير ثقافي وفني عميق يؤكد أن الصناعة تتجه إلى العالمية بصوت سعودي واضح. فالموسيقى أصبحت هوية، وذاكرة، وسردًا موازياً للصورة، وركنًا أساسيًا في رحلة بناء مشهد فني متكامل يليق بمستقبل الصناعة في المملكة.

الفنان السعودي نواف الجبرتي يتألق بالغناء باللغة العربية الفصحى في «إثراء»

عبّر الفنان السعودي نواف الجبرتي عن سعادته بالمشاركة بالغناء باللغة العربية الفصحى، مؤكّدًا أن هذه التجربة تمثل قيمة فنية خاصة بالنسبة له.

وقال خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد عقب الأمسية الغنائية في «إثراء»: «هي فرصة كبيرة بالنسبة لي أن أغني بالفصحى، الجمهور تعوّد مني هذا اللون بشكل محدود، لكن اليوم كان النصيب الأكبر، وأكثر من أغنية قُدمت بهذا الأسلوب».

وحول تفاعل الجمهور، أوضح الجبرتي أنه وجد تجاوبًا لافتًا من الحضور في المنطقة الشرقية: «رأيت جمهورًا مستمتعًا ومنصتًا، كانوا يتابعون التفاصيل بدقة، الكلمة، واللحن، والرسالة، وإن شاء الله تكون الأعمال نالت إعجابهم».

كشف الجبرتي عن تقديمه عملاً جديدًا خلال الأمسية من كلمات الشاعر مسافر وألحانه، وتوزيع المايسترو أمير عبدالمجيد، مضيفًا: «غنّينا العمل اليوم، وإن شاء الله يكون قد وصل للجمهور بالشكل الذي نطمح له».

وتحدّث الجبرتي عن العلاقة بين اللحن واللغة العربية الفصحى وكيفية الجمع بين عمق الإحساس وبلاغة النص: «لما يكون النص قدامي، لازم أعرف هدف الشاعر، أعرف كيف أوصل مشاعره للمستمع من خلال المقام المناسب، ومن خلال أداء مدروس وتفاصيل موسيقية تبرز المعنى الذي يطمح الشاعر لإيصاله».

وختم حديثه بأن الإبداع بالغناء بالفصحى يتطلب وعيًا كبيرًا بالنغم العربي وفهم طبيعة اللغة، بهدف مواءمة حس الفنان مع بلاغة النص للوصول إلى تجربة فنية متكاملة تحترم الذائقة وتلامس الجمهور.

بحث في الصوالين

ابدأ بكتابة كلمة للبحث…