موسيقى الملاعب السعودية: كيف غيّرت الأهازيج والمزمار هوية التشجيع؟

كيف تحوّلت الأهازيج من هتافات عفوية إلى هوية صوتية تُميّز جماهير الغربية والوسطى في الملاعب السعودية؟
لينكدإن
فيسبوك
تويتر
تيليجرام
واتساب

شارك:

بين المزمار والمارش… هكذا تغيّر الهتاف من العفوية إلى “الطَرق” الموثّق

في السنوات الأخيرة، لم يعد حضور المباريات في السعودية حدثًا رياضيًا فقط، بل تجربة صوتية كاملة تتقاطع فيها الموسيقى مع التراث والهتافات والهوية.

المدرجات نفسها تحوّلت إلى خشبة، والجمهور إلى كورس كبير، والهتافات إلى أعمال فنية تُسجّل وتُوثّق وتُصان.

ومع دخول المبادرات الرسمية والحقوق الفكرية والإيقاعات الشعبية، أصبحت كرة القدم السعودية تمتلك “هويتها الصوتية” الخاصة، التي لا تشبه أي مدرسة أخرى في المنطقة.

الحكاية لم تبدأ من المدرج فقط، بل من قرار رسمي حين أطلقت هيئة الموسيقى، بالتعاون مع الجمعية السعودية للمحافظة على التراث، مشروع “طروق كرة القدم السعودية” الذي وثّق مئات الأهازيج من كل المدن.

فجأة، أصبح الهتاف الذي كان يُولد في لحظة حماس عملاً تراثيًا محفوظًا، جزءًا من التاريخ الحي، ومادة فنية لها ألحانها وأصحابها.

وفي اللحظة نفسها، منحت الهيئة السعودية للملكية الفكرية الأهازيج صفة “عمل فني”، ليصبح للهتاف ملحن ومؤلف وحقوق.

خطوة غيّرت قواعد اللعبة، ودفعَت الروابط والأندية إلى إنتاج أهازيج بجودة موسيقية أعلى، بعضها يدخل الملعب كمارش افتتاحي، وبعضها يُنشر رسميًا ضمن مكتبة النادي، كما حدث في تجربة الأهلي المميزة.

لكن التغيير الأكبر جاء من الناس أنفسهم، من المدرجات التي أعادت إحياء الإيقاعات الشعبية داخل الملاعب: المزمار الحجازي، والمجرور الجنوبي، والخبيتي، والينبعاوي، وإيقاعات المارش العسكري في الرياض. لكل مدينة طعمها… ولكل نادٍ صوته.

هتافات تحولت إلى أيقونات

الهلال لا يزال يحافظ على أسلوبه المنظّم الذي يشبه الجوقة، حيث تتردد أهازيج مثل “يا هلالي يا هلالي” و”الموج الأزرق” بنبرة موحّدة تشبه موسيقى المارش، وتحوّل المدرج إلى خط واحد ينبض بنفس الإيقاع.

أما الاتحاد، فمدرجاته تنبض بتراث جدة ومكة، حيث يعلو صوت المزمار في هتافات مثل “يا عميدنا يا بطل” و“صياد وراح يصيد”، التي تُردد بطريقة جماعية تشبه “الزومال” الحجازي، وتخلق اهتزازًا فريدًا لا يشبه أي مدرج آخر.

وفي المقابل، ينفرد الأهلي بمزيج بين العاطفة والغناء الجماعي الطويل، فتُسمع أهازيج مثل “هيا أهلي” و“لأجلك يا أهلي” بروح قريبة من الغناء الشعبي الينبعاوي.

بينما يعتمد المدرج النصراوي على الحدة والإيقاع السريع، في أهازيج مثل “عالمي عالمي” و“الشمس ما تغيب”، التي تُردد وكأنها دقات طبول عسكرية تُشعل الحماس طوال تسعين دقيقة.

مقارنة: المنطقة الغربية مقابل المنطقة الوسطى

تراث يُغنّى… وهُوية تُهتف

لم يكن الفرق بين هتاف الغرب والوسط مجرد اختلاف في الكلمات، بل اختلاف في الروح والتراث والإيقاع.

المنطقة الغربية (جدة – مكة – ينبع)

في الغرب، الهتاف جزء من الطرب والاحتفال الشعبي. المدينة نفسها تملك موسيقى تتنفس بها: من المزمار إلى الينبعاوي إلى البراح، ولهذا تنعكس الموسيقى على المدرج بشكل واضح.

الهتاف هنا غالبًا طويل الجملة، مرسوم على إيقاع راقص، فيه تطويل واضح للحروف، وكأن جمهور الاتحاد أو الأهلي يغني أغنية كاملة.

التجربة في الغرب تشبه حفلة جماعية، الهتاف يُشتغل بالطبلة، ويُغنى بالتناسق، وتنتقل فيه الروح من مدرج إلى آخر مثل موجة موسيقية.

المنطقة الوسطى (الرياض)

أما الرياض، فتنتمي إلى مدرسة مختلفة تمامًا: مدرسة “القوة” و“الحدة” و“المارش”.

المدرج الهلالي أو النصراوي لا يهتف بالطريقة الغنائية نفسها، بل بطريقة أشبه بالحشد—إيقاع سريع، كلمات قصيرة، نبرة صارمة، ودقات طبول تشبه الإيقاع العسكري.

الصوت هنا يرتفع ليعلن القوة، لا ليغني الطرب.
ولهذا، عندما ينتقل مشجع من جدة إلى الرياض أو العكس، يسمع الفرق مباشرة في “طعم الهتاف”: الغربية تغني… والوسطى تهتف.

أثر دخول الموسيقى على الجمهور

اليوم، يعيش الجمهور السعودي مرحلة غير مسبوقة: الهتاف لم يعد حالة عشوائية، بل عملية تُدار بحرفية، الكابو يبدأ، الموسيقى تضبط الإيقاع، المدرج يتحول إلى كورس من عشرات الآلاف.

الطاقة تتحول إلى صوت، والغضب يتحول إلى قوة إيجابية تُدفع نحو الفريق.

ومع التوثيق الرسمي، أصبحت الأهازيج جزءًا من الذاكرة السعودية الحديثة، تمامًا كما هي الفنون الشعبية أو الأغاني الوطنية.

ملاعب السعودية اليوم هي المساحة التي اندمجت فيها كرة القدم مع الموسيقى والتراث والصوت الشعبي، هي المكان الذي تصدح فيه المزمار جنبًا إلى جنب مع المارش، والينبعاوي مع الخبيتي، والروح الجماعية مع الهوية المحلية.

إنها ليست مجرد مباراة.
إنها عرض صوتي.
وكل مدرج هو “فرقة موسيقية” تعرف كيف تهتف، وكيف تغني، وكيف تصنع هويتها الخاصة.

العلامات

النصر, الهتافات السعودية, الهلال, مدرجات

اقرأ أيضاً

Immortal Pain… فرقة الميتال السعودية التي كسرت العزلة وخرجت إلى المشهد العام

مع اتساع مساحة الفنون البديلة في المملكة العربية السعودية خلال العقدين الأخيرين، بدأت موسيقى الميتال تشق طريقها من الهامش إلى الواجهة. 

وفي قلب هذا التحول، يبرز اسم Immortal Pain كواحد من أهم الفرق التي أسهمت في نقل موسيقى الـDeath Metal من الدوائر المغلقة إلى الفضاء العام، لتصبح علامة فارقة في تاريخ المشهد الموسيقي السعودي.

التأسيس والبدايات: انطلاقة من جدة

تأسست فرقة Immortal Pain في مدينة جدة عام 2005، كأحد أوائل المشاريع الجادة التي تبنت موسيقى الـDeath Metal في المملكة. وضمت الفرقة في تشكيلها الأساسي عماد عاشور، رشيد عطار، معيّد الشمّري، وأنان الصبّان. 

ومنذ بدايتها، اتجهت الفرقة إلى تقديم موسيقى تمزج بين الـThrash Metal والـMelodic Death Metal، مستلهمة مدارس عالمية عريقة، مع السعي لبناء هوية صوتية مستقلة.

المسيرة الفنية: من المشهد المغلق إلى الجمهور الواسع

على مدار سنوات نشاطها، شاركت Immortal Pain في عروض موسيقية متعددة داخل مدن سعودية مختلفة، من بينها جدة والرياض والدمام. 

ومع الوقت، تحولت الفرقة إلى أحد الأسماء المحورية في مشهد الميتال المحلي، وصولًا إلى محطة مفصلية عندما أصبحت أول فرقة ميتال سعودية تقدم عرضًا ضمن حدث عام واسع النطاق خلال Comic Con Arabia في جدة، وهو ظهور شكّل نقطة تحول تاريخية للموسيقى الثقيلة في المملكة.

الإنتاج الموسيقي: تثبيت الهوية الفنية

قدمت Immortal Pain عددًا من التسجيلات التجريبية عبر سنواتها الأولى، قبل أن تطلق أول عمل رسمي لها بعنوان “Unhealed” في مايو 2022، هذا الإصدار أكد استمرار الفرقة في مسارها الفني، ورسّخ حضورها كفرقة نشطة قادرة على التطور والاستمرار ضمن مشهد سريع التغير.

الأسلوب والرؤية: موسيقى مستمدة من الواقع

تعتمد Immortal Pain في مقاربتها الموسيقية على بناء صوتي كثيف وإيقاعات حادة، مع اهتمام خاص بالتفاصيل السمعية والتكوين العام للأغنية. 

ويظهر في أعمالها تأثر واضح بالبيئة المحيطة والحياة اليومية، ما يمنح موسيقاها طابعًا تعبيريًا يعكس توتر الإنسان وأسئلته الوجودية، وهو ما ينسجم مع روح الـDeath Metal عالميًا.

التأثير الثقافي: ريادة داخل المشهد البديل

لا تقتصر أهمية Immortal Pain على إنتاجها الموسيقي فحسب، بل تمتد إلى دورها الريادي في ترسيخ ثقافة الميتال داخل المملكة، فقد أسهمت الفرقة في كسر الصور النمطية المرتبطة بهذا النوع الموسيقي، وفتحت المجال أمام فرق أخرى للظهور في فعاليات عامة، ما جعلها مرجعًا أساسيًا في تاريخ الموسيقى البديلة السعودية.

 مسار راسخ في تاريخ الميتال السعودي

تمثل فرقة Immortal Pain تجربة فنية متكاملة، تجاوزت حدود التجربة الفردية لتصبح جزءًا من التحول الثقافي الأوسع في المملكة، ومع تاريخ يمتد لأكثر من عقدين، وإنجازات أسهمت في تغيير شكل المشهد، تظل Immortal Pain واحدة من أهم الفرق التي أرست قواعد الميتال السعودي الحديث.

DUNE.. صرخة الميتال السعودي التي تعيد تشكيل المشهد الموسيقي

يشهد المشهد الموسيقي في المملكة العربية السعودية تحولات لافتة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في مساحة الموسيقى البديلة، ومن بين الأسماء التي برزت بقوة في هذا السياق، تأتي فرقة DUNE كواحدة من الفرق التي استطاعت أن تفرض نفسها في مشهد الميتال المحلي، عبر صوت ثقيل وهوية موسيقية واضحة، جعلتها محط اهتمام جمهور هذا اللون الموسيقي.

النشأة والتكوين: من الشغف إلى المشروع الفني

تأسست فرقة DUNE على يد مجموعة من الموسيقيين السعوديين الذين جمعهم شغف مشترك بموسيقى الميتال، وسعي جاد لتقديم تجربة مختلفة داخل الساحة المحلية.

 بدأت الفرقة رحلتها من تجارب موسيقية خاصة وجلساتعزف مغلقة، قبل أن تتبلور ككيان فني مستقل يسعى إلى المزج بين التأثيرات العالمية للميتال والبيئة الثقافية المحلية التي تنتمي إليها.

المسيرة الفنية: حضور متنامٍ في الفعاليات المحلية

مع تطور تجربتها، بدأت فرقة DUNE في الظهور ضمن حفلات وفعاليات موسيقية تستهدف جمهور الميتال في السعودية.

 وتميزت عروضها الحية بطاقة عالية وأداء مسرحي مكثف، ما ساهم في ترسيخ اسمها كأحد الأصوات الصاعدة في هذا المشهد.

كما ارتبطت الفرقة بحراك أوسع يضم فرقًا سعودية أخرى مثل Black Acid وThe Retaliators، في إطار مشهد موسيقي بديل يسعى إلى بناء قاعدة جماهيرية أكثر اتساعًا وتماسكًا.

الأعمال الموسيقية: بصمة خاصة وهوية واضحة

رغم حداثة تجربتها نسبيًا، استطاعت DUNE أن تقدم أعمالًا موسيقية تعكس فهمًا عميقًا لروح الميتال، من حيث الإيقاعات الثقيلة والبناء الصوتي المكثف، وتتناول موسيقاها موضوعات ترتبط بالإنسان، والصراع الداخلي، والتحولات النفسية، وهي عناصر لاقت صدى لدى شريحة متزايدة من جمهور الموسيقى البديلة في المملكة.

البعد الثقافي: أكثر من مجرد فرقة

لا يقتصر دور فرقة DUNE على تقديم الموسيقى فحسب، بل تمتد مساهمتها إلى دعم مشهد الميتال السعودي ككل، من خلال المشاركة في الفعاليات المشتركة، وخلق مساحة تواصل بين الفرق والجمهور، وهذا الحضور يجعلها جزءًا من حركة ثقافية تسعى إلى الموسيقى البديلة كجزء من التنوع الفني في السعودية.

مسار مفتوح على المستقبل

مع استمرار نشاطها وتزايد حضورها، تبدو فرقة DUNE مرشحة للعب دور أكبر في مستقبل الميتال السعودي، فهي تمثل نموذجًا لجيل جديد من الفرق التي تعمل على كسر القوالب التقليدية، وبناء هوية موسيقية محلية قادرة على التواصل مع العالم.

النمرود… صوت البلاك ميتال السعودي خارج السائد

 منذ بدايتها، اعتمدت الفرقة على إخفاء هويات أعضائها واستخدام أسماء مستعارة، في خطوة تعكس حساسية البيئة التي تعمل ضمنها، وتؤكد الطابع السري الذي رافق مسيرتها منذ اللحظة الأولى.

المسار الفني: بلاك ميتال بنكهة محلية

تميّزت النمرود بتقديم موسيقى بلاك ميتال ذات طابع خاص، تمزج بين القسوة الصوتية الغربية والإيقاعات والمقامات الشرقية، هذا المفي أقصى أطراف المشهد الموسيقي السعودي، حيث تتحرك الموسيقى البديلة بعيدًا عن الأضواء التقليدية، برز اسم النمرود كأحد أكثر المشاريع الموسيقية إثارة للجدل والتأثير. 

فرقة بلاك ميتال سعودية اتخذت من الغموض والتمرد الفني مسارًا لها، لتصنع حضورًا عالميًا لافتًا رغم القيود المحلية والتحديات الثقافية.

التأسيس والبدايات: مشروع من الهامش

تأسست فرقة النمرود عام 2008 داخل المملكة العربية السعودية، واختارت اسمها المستوحى من شخصية تاريخية ارتبطت بالتمرّد والعصيان، في دلالة واضحة على طبيعة المشروع الفني والفكري للفرقة.

زج منحها هوية فريدة داخل المشهد العالمي، وجعل أعمالها مختلفة عن القوالب التقليدية لهذا النوع الموسيقي. 

وعلى الرغم من انطلاقها من بيئة مغلقة، نجحت الفرقة في الوصول إلى جمهور دولي عبر التعاون مع شركات إنتاج خارجية، أبرزها Shaytan Productions الكندية.

الإنتاج الموسيقي: حضور عالمي من خلف الستار

أصدرت فرقة النمرود عددًا من الألبومات التي حظيت باهتمام واسع في أوساط البلاك ميتال العالمية، من بينها:

استُفحِل الثأر (2009)

أسطورة طاغوت (2010)

كتاب الأوثان (2012)

حين يظهر الغسق (2014)

عكست هذه الأعمال رؤية فنية تعتمد على الرمزية، واللغة العربية، والبناء الموسيقي الكثيف، ما جعل الفرقة حالة استثنائية داخل تصنيفها.

الرؤية والأسلوب: فن قائم على الغموض

تعتمد النمرود على الغموض كجزء أساسي من مشروعها، سواء على مستوى الهوية أو الخطاب الفني، هذا الغموض لم يكن عنصرًا دعائيًا فقط، بل أصبح جزءًا من التجربة السمعية والبصرية التي تقدمها، وأسهم في تعزيز صورتها كفرقة تعمل خارج الأطر التقليدية للمشهد الموسيقي العربي.

التأثير الثقافي: ظاهرة تتجاوز الموسيقى

تجاوز تأثير فرقة النمرود حدود الموسيقى، لتتحول إلى ظاهرة ثقافية داخل النقاشات المتعلقة بحرية التعبير والفنون البديلة في المنطقة.

 فقد مثّلت نموذجًا لمشروع فني عربي استطاع أن يخترق السوق العالمي دون أن يتنازل عن لغته أو رموزه أو هويته المحلية.

اسم راسخ في تاريخ البلاك ميتال العربي

تمثل فرقة النمرود واحدة من أكثر التجارب الموسيقية جرأة في السعودية والعالم العربي، تجربة تشكّلت في الظل، لكنها استطاعت أن تترك أثرًا واضحًا في مشهد البلاك ميتال العالمي، وتؤكد أن الموسيقى، مهما كانت هامشية أو صادمة، قادرة على عبور الحدود وصناعة حضورها الخاص.

بحث في الصوالين

ابدأ بكتابة كلمة للبحث…