بين المزمار والمارش… هكذا تغيّر الهتاف من العفوية إلى “الطَرق” الموثّق
في السنوات الأخيرة، لم يعد حضور المباريات في السعودية حدثًا رياضيًا فقط، بل تجربة صوتية كاملة تتقاطع فيها الموسيقى مع التراث والهتافات والهوية.
المدرجات نفسها تحوّلت إلى خشبة، والجمهور إلى كورس كبير، والهتافات إلى أعمال فنية تُسجّل وتُوثّق وتُصان.
ومع دخول المبادرات الرسمية والحقوق الفكرية والإيقاعات الشعبية، أصبحت كرة القدم السعودية تمتلك “هويتها الصوتية” الخاصة، التي لا تشبه أي مدرسة أخرى في المنطقة.
الحكاية لم تبدأ من المدرج فقط، بل من قرار رسمي حين أطلقت هيئة الموسيقى، بالتعاون مع الجمعية السعودية للمحافظة على التراث، مشروع “طروق كرة القدم السعودية” الذي وثّق مئات الأهازيج من كل المدن.
فجأة، أصبح الهتاف الذي كان يُولد في لحظة حماس عملاً تراثيًا محفوظًا، جزءًا من التاريخ الحي، ومادة فنية لها ألحانها وأصحابها.
وفي اللحظة نفسها، منحت الهيئة السعودية للملكية الفكرية الأهازيج صفة “عمل فني”، ليصبح للهتاف ملحن ومؤلف وحقوق.
خطوة غيّرت قواعد اللعبة، ودفعَت الروابط والأندية إلى إنتاج أهازيج بجودة موسيقية أعلى، بعضها يدخل الملعب كمارش افتتاحي، وبعضها يُنشر رسميًا ضمن مكتبة النادي، كما حدث في تجربة الأهلي المميزة.
لكن التغيير الأكبر جاء من الناس أنفسهم، من المدرجات التي أعادت إحياء الإيقاعات الشعبية داخل الملاعب: المزمار الحجازي، والمجرور الجنوبي، والخبيتي، والينبعاوي، وإيقاعات المارش العسكري في الرياض. لكل مدينة طعمها… ولكل نادٍ صوته.
هتافات تحولت إلى أيقونات
الهلال لا يزال يحافظ على أسلوبه المنظّم الذي يشبه الجوقة، حيث تتردد أهازيج مثل “يا هلالي يا هلالي” و”الموج الأزرق” بنبرة موحّدة تشبه موسيقى المارش، وتحوّل المدرج إلى خط واحد ينبض بنفس الإيقاع.
أما الاتحاد، فمدرجاته تنبض بتراث جدة ومكة، حيث يعلو صوت المزمار في هتافات مثل “يا عميدنا يا بطل” و“صياد وراح يصيد”، التي تُردد بطريقة جماعية تشبه “الزومال” الحجازي، وتخلق اهتزازًا فريدًا لا يشبه أي مدرج آخر.
وفي المقابل، ينفرد الأهلي بمزيج بين العاطفة والغناء الجماعي الطويل، فتُسمع أهازيج مثل “هيا أهلي” و“لأجلك يا أهلي” بروح قريبة من الغناء الشعبي الينبعاوي.
بينما يعتمد المدرج النصراوي على الحدة والإيقاع السريع، في أهازيج مثل “عالمي عالمي” و“الشمس ما تغيب”، التي تُردد وكأنها دقات طبول عسكرية تُشعل الحماس طوال تسعين دقيقة.
مقارنة: المنطقة الغربية مقابل المنطقة الوسطى
تراث يُغنّى… وهُوية تُهتف
لم يكن الفرق بين هتاف الغرب والوسط مجرد اختلاف في الكلمات، بل اختلاف في الروح والتراث والإيقاع.
المنطقة الغربية (جدة – مكة – ينبع)
في الغرب، الهتاف جزء من الطرب والاحتفال الشعبي. المدينة نفسها تملك موسيقى تتنفس بها: من المزمار إلى الينبعاوي إلى البراح، ولهذا تنعكس الموسيقى على المدرج بشكل واضح.
الهتاف هنا غالبًا طويل الجملة، مرسوم على إيقاع راقص، فيه تطويل واضح للحروف، وكأن جمهور الاتحاد أو الأهلي يغني أغنية كاملة.
التجربة في الغرب تشبه حفلة جماعية، الهتاف يُشتغل بالطبلة، ويُغنى بالتناسق، وتنتقل فيه الروح من مدرج إلى آخر مثل موجة موسيقية.
المنطقة الوسطى (الرياض)
أما الرياض، فتنتمي إلى مدرسة مختلفة تمامًا: مدرسة “القوة” و“الحدة” و“المارش”.
المدرج الهلالي أو النصراوي لا يهتف بالطريقة الغنائية نفسها، بل بطريقة أشبه بالحشد—إيقاع سريع، كلمات قصيرة، نبرة صارمة، ودقات طبول تشبه الإيقاع العسكري.
الصوت هنا يرتفع ليعلن القوة، لا ليغني الطرب.
ولهذا، عندما ينتقل مشجع من جدة إلى الرياض أو العكس، يسمع الفرق مباشرة في “طعم الهتاف”: الغربية تغني… والوسطى تهتف.
أثر دخول الموسيقى على الجمهور
اليوم، يعيش الجمهور السعودي مرحلة غير مسبوقة: الهتاف لم يعد حالة عشوائية، بل عملية تُدار بحرفية، الكابو يبدأ، الموسيقى تضبط الإيقاع، المدرج يتحول إلى كورس من عشرات الآلاف.
الطاقة تتحول إلى صوت، والغضب يتحول إلى قوة إيجابية تُدفع نحو الفريق.
ومع التوثيق الرسمي، أصبحت الأهازيج جزءًا من الذاكرة السعودية الحديثة، تمامًا كما هي الفنون الشعبية أو الأغاني الوطنية.
ملاعب السعودية اليوم هي المساحة التي اندمجت فيها كرة القدم مع الموسيقى والتراث والصوت الشعبي، هي المكان الذي تصدح فيه المزمار جنبًا إلى جنب مع المارش، والينبعاوي مع الخبيتي، والروح الجماعية مع الهوية المحلية.
إنها ليست مجرد مباراة.
إنها عرض صوتي.
وكل مدرج هو “فرقة موسيقية” تعرف كيف تهتف، وكيف تغني، وكيف تصنع هويتها الخاصة.