على مدى أكثر من خمسة عقود، ظلّ محمد عبده — الملقّب بـ فنان العرب — أحد أهم الأصوات في تشكيل الوجدان العاطفي في العالم العربي. لم يكن مجرد مطرب سعودي يقدم أغاني رومانسية؛ بل أصبح مدرسة فنية كاملة ومرجعًا حيًا لكل من يبحث عن التعبير الصادق عن الحب والوفاء والاعتذار في الأغنية العربية.
منذ السبعينات، نجح محمد عبده في تقديم رؤية مختلفة للأغنية العاطفية السعودية، كان صوته الرخيم يجسّد لوعة الفراق وصعوبة التواصل في زمن كانت فيه الرسائل الورقية والانتظار الطويل أساس العلاقات، ومع كل لحنٍ وكلمة، صنع حالة خاصة من الحنين التي رافقت عشاق تلك المرحلة. وردّد الجمهور معه واحدة من أشهر مقولاته الغنائية:
“لأخلي فرحنا دايم، وأخلي عمرنا هايم.. وأقول للشوق مين أنت؟ توكل روح يا ظالم”.
بهذه اللغة الصادقة، كرّس عبده مفهوم أن الحب التزام وصناعة مستمرة للفرح، لا مجرد مشاعر عابرة.
الثمانينات.. درس الاعتذار النبيل في تاريخ الأغنية العربية
وفي الثمانينات، دخل محمد عبده مرحلة ذهبية جديد في مسيرته الفنية، حيث صاغ واحدة من أهم قيم العلاقات الإنسانية: قيمة الاعتذار. كانت أغنية “أبعتذر” علامة فارقة في تاريخ الأغنية الرومانسية الخليجية، ورسّخت في وجدان المستمعين أن الاعتذار شجاعة لا ضعف:
“أبعتذر عن كل شيء.. إلا الهوى.. ما للهوى عندي عذر”.
بهذه الجملة، غيّر عبده طريقة تعامل الجمهور مع الندم والاعتذار، وتحولت الأغنية إلى مرجع يستخدمه العشّاق في لحظات المصالحة واستعادة المودّة.
من الماضي إلى اليوم.. محمد عبده صانع وجدان العشّاق
ورغم مرور عقود طويلة، لا يزال محمد عبده يحتفظ بمكانته كـ المرجع الأبرز للعشّاق. فكل مرحلة من مسيرته الفنية تعلّم جمهورها درسًا جديدًا في الحب:
كيف تحب، كيف تنتظر، كيف تصبر، كيف تعتذر، وكيف تبقى وفيًا رغم كل تقلبات الحياة.
إن تأثيره العاطفي والثقافي لم يتراجع، بل ازداد رسوخًا مع انتشار المنصات الرقمية، حيث أصبحت أغانيه تُكتشف من جديد يوميًا، وتُستخدم للتعبير عن المشاعر في كل المناسبات.
لماذا يبقى محمد عبده حاضرًا حتى اليوم؟
- لأنه قدّم أغاني خالدة ما زالت تُسمع عبر الأجيال.
- لأنه صاغ مدرسة غنائية سعودية اتسمت بالرقي والعمق.
- لأنه صوّتٌ يستطيع نقل المشاعر بأصدق صورة.
- ولأن أغنياته تمثل دروسًا حياتية تتجاوز حدود الموسيقى.
بهذه الرحلة الممتدة من السبعينات حتى اليوم، يظل محمد عبده أحد أعمدة الأغنية العربية، ومرجعًا عاطفيًا لا يُستغنى عنه لكل من يبحث عن كلمة صادقة أو لحنٍ يحكي حكايته.