الغياب القسري والحنين العائلي
تخيل أن تكون بعيدًا عن أحبائك في لحظة حياتهم المهمة، وأن تكون عاجزًا عن مشاركتهم هذه اللحظة. هذا ما عاشه الفنان الكبير أبو بكر سالم بفقيه، الذي اضطر للابتعاد عن أسرته بسبب الظروف السياسية في الجنوب.
حينها كان يقيم في عدن مع زوجته وأطفاله الثلاثة: أنغام، ألحان، وأديب، قبل أن يسافر إلى السعودية بسبب الخلافات مع النظام السياسي ويستقر هناك، ويحصل لاحقًا على الجنسية السعودية.
الألم والمعاناة بين الغربة والأسرة
تجسد المعاناة بين أبو بكر وأسرته حزن الفقد والحنين، حيث صعبت الخلافات بين حكومتي السعودية والجنوب عليه زيارة أبنائه أو نقل أسرته إليه، هذا البعد القسري انعكس في العديد من أعماله الفنية، التي عكست مشاعر الغياب والحنين، مثل أغاني “يا طايرة طيري على بندر عدن” و”يا سعد قلب ما بنساه”، والتي قدمها مع ابنته أنغام، لتعكس الألم العاطفي والفقد العميق الذي عاشه كل من الأب والابنة.
لحظة الإلهام: رسالة الزفاف
في عام 1982، أرسلت ابنته أنغام رسالة لدعوة أبيها لحضور حفل زفافها في عدن، لم يكن أبو بكر قادرًا على الحضور بسبب ظروفه المعقدة، وكانت الرسالة تحمل مزيجًا من العتاب والحزن، حيث شعرت أن اهتمامه أكبر بأشقائها في السعودية.
هذه اللحظة كانت الشرارة التي ولدت أغنية “حجة الغائب معاه”، بعد جلسة مع الشاعر عبد الله البقعي والملحن عبد الرب إدريس، حيث قال له الشاعر: “اسمع يا أبو أصيل، لك ظروفك اللي خلتك تبعد وزي ما يقولوا حجة الغايب معه”، وكانت هذه الكلمات البداية لتأليف أغنية خالدة عن الغياب والحب.
كتابة الأغنية وتلحينها
جلس أبو بكر مع الشاعر عبد الله والملحن عبد الرب لإعداد كلمات الأغنية ولحنها، لتصبح بمثابة جسر عاطفي يصل بينه وبين ابنته، ويجسد الألم والحنين الذي عاشه كل من الأب والابنة، الأغنية لم تكن مجرد موسيقى، بل تحولت إلى عمل فني خالد يعبّر عن حق الغائب في قلب من يحب.
تحقيق الحضور واللحظة المنتظرة
بعد الانتهاء من إعداد الأغنية، نجح أبو بكر سالم بفقيه في السفر إلى عدن لحضور حفل زفاف ابنته، محاطًا بالحب والترحيب الكبير من الجمهور، هذه اللحظة كانت تحقيقًا للوعد العاطفي الذي احتفظ به في قلبه طوال سنوات الغياب، وتحويل المعاناة إلى تجربة فنية وموسيقية خالدة.
الغياب مؤلم ولكنه يلهم الفن
تظل أغنية “حجة الغائب معاه” مثالًا حيًا على قدرة الفن على التعبير عن الألم والحنين، وتحويله إلى رسالة خالدة تصل إلى قلوب المستمعين، الغربة والابتعاد عن الأحبة شعور يعرفه فقط من عاشه، والأغنية شاهدة على صبر الفنان وإبداعه في تحويل الألم إلى فن خالد وعاطفة صادقة.