لم يعد الفن السعودي يعيش داخل الحدود الجغرافية كما كان في السابق، ولم يعد انتشار الأغنية يعتمد على اسم الفنان وحده أو دعم شركات الإنتاج الكبرى، اليوم، أصبحت منصة مثل تيك توك لاعبًا رئيسيًا في صناعة الذوق الموسيقي، خاصة في البوب الخليجي الذي يشهد تطورًا سريعًا نحو الإيقاع العصري والرفاهية البصرية، بعد سنوات من الاعتماد على الإذاعات والتلفزيون والمنصات التقليدية، جاء تيك توك ليخلق علاقة جديدة بين الفنان والجمهور، تقوم على المشاركة السريعة، والانتشار اللحظي، ونجومية “المقطع” بدلًا من الأغنية الكاملة.
خوارزمية الترند… وتأثيرها على شكل الأغنية الخليجية
قوة تيك توك ليست في كونه منصة لعرض مقاطع قصيرة فحسب، بل في قدرته على إعادة تشكيل ما يسمعه الجمهور وكيف يسمعه، أصبح المستمع الخليجي والعربي يكتشف الأغاني من خلال مقاطع لا تتجاوز عشر ثوانٍ، وهي فترة تكفي لجعل موسيقى ما تتحول إلى ترند يتناقله الملايين، لم تعد الأغنية بحاجة إلى مقدمة موسيقية طويلة أو بناء لحني معقد كما كان في بدايات البوب الخليجي، بل أصبحت تحتاج إلى لحظة واحدة “قوية”، جملة موسيقية حادة أو كلمة تعلق في الذاكرة، إيقاع صادم أو بيت راقص، قادر على الانتشار خلال أيام وربما ساعات.
وبسبب هذا الأسلوب الجديد، تغيّرت طريقة الإنتاج بالكامل، لم يعد الفنان يبدأ من كتابة نصٍ غنائي كامل ثم يبحث عن لحن مناسب، بل يبدأ العديد منهم في التفكير في “اللحظة الذهبية” التي يُمكن أن تُستخدم في فيديوهات مستخدمي تيك توك، وبعد ذلك تبنى الأغنية بالكامل حول هذا الجزء. هذا التغيير جعل الإنتاج أسرع، لكنه خلق سباقًا شرسًا يدفع الفنانيين إلى التركيز على البساطة الجذابة بدلًا من العمق الموسيقي الطويل.
أرشفة جديدة للفن السعودي: الماضي يعود بشكل معاصر
ومن جانب آخر، لم يقتصر تأثير تيك توك على الأغاني الجديدة، بل أعاد الحياة إلى أرشيف الأغنية السعودية القديمة فالمقاطع الكلاسيكية التي صدرت قبل عقد أو عقدين تحوّلت فجأة إلى ترندات، بعد أن استخدمها صناع المحتوى في فيديوهاتهم الكوميدية أو العاطفية، هنا يظهر مثال واضح لعودة أغاني راشد الماجد القديمة، التي انتشرت بين جيل لم يكن قد ولد عندما صدرت هذه الأعمال، بمجرد أن أعاد المستخدمون تدوير مقطع قصير من أغنية “وحشتني سواليفك” أو “الله لو تدري”، أصبحت الأغنية فجأة شابة من جديد، وتحوّل كتالوج راشد وكبار الفنانين إلى مصدر متجدد للإلهام.
حتى بعض الشركات الكبرى، مثل روتانا، بدأت تستثمر في هذه الظاهرة، ليس عبر إنتاج جديد فقط، بل عبر إعادة توثيق وإدراج الأغاني القديمة داخل مكتبة تيك توك الرسمية. وبذلك، تحوّل الأرشيف الغنائي من “مخزن ذكريات” إلى كنز اقتصادي يمكن إحياؤه مرة بعد أخرى من خلال الترندات.
صعود جيل جديد من البوب الخليجي عبر المشاركة وليس الاستماع
أما بالنسبة للجيل الجديد من الفنانين السعوديين، فقد وجدوا أنفسهم أمام فرصة تاريخية. فالفنان لم يعد بحاجة إلى شركات إنتاج ضخمة ليكتشفه الجمهور، بل يكفي أن يقدم مقطعًا قويًا يتفاعل معه الناس. هنا يبرز اسم بدر الشعيبي الذي استطاع من خلال البوب الممزوج بعناصر التراب أن يصنع لنفسه جمهورًا ضخمًا عبر تحديات راقصة ومقاطع رومانسية قصيرة تحولت إلى صوت خلفي لفيديوهات يومية على منصات التواصل.
وبينما كانت الأغنية الخليجية في السابق تُستهلك عبر الاستماع المباشر، أصبح الجمهور اليوم “يشاركها” قبل أن يسمعها بالكامل. انتشار الأغنية لم يعد يبدأ من الأذن فقط، بل يبدأ من الحركة، من الرقص، من التمثيل القصير، أو من ميم كوميدي يتقمص لحنًا ما. وبالتالي، أصبح جزء كبير من نجاح الأغنية يعتمد على قابلية استخدامها في المحتوى اليومي للحياة الحديثة.
مستقبل البوب السعودي بين الهوية والانتشار السريع
على الرغم من هذه التغيرات، فإن هوية الأغنية الخليجية لا تختفي، لكنها تتشكل من جديد. صحيح أن الإيقاعات أصبحت أسرع، وأن الكلمات صارت أكثر مباشرة، لكن الروح المحلية لا تزال حاضرة، سواء في اللهجة، أو الجملة اللحنية الخليجية المشهورة، أو التفاصيل الموسيقية التي تمنح الأغنية شخصيتها. يبدو البوب الخليجي اليوم في منطقة بين الأصالة والتأثير العالمي، يتطور، يتغير، لكنه لا ينقطع عن جذوره.
وقد لا يكون هذا التحول مؤقتًا كما يتوقع البعض، بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة من البوب الخليجي، مرحلة يعتمد فيها الفنان على الذكاء الرقمي بقدر اعتماده على الإبداع الفني، مرحلة يصبح فيها الترند جزءًا من الصناعة، لا عدوًا لها، ويصبح فيها المستمع مشاركًا في خلق نجاح الأغنية، لا متلقيًا فقط.