تُعد الموسيقى الشعبية في المملكة العربية السعودية جزءًا أساسيًا من التراث الثقافي والفني، وتشكل مادة مهمة للتلقي الفني والتذوق الجمالي، فالموسيقى الشعبية السعودية، بما تحمله من ألوان ونغمات عريقة، تعكس امتداد الحضارة وتاريخ المجتمع، وتمثل هوية وتراثًا ثقافيًا مليئًا بالقصص والحكايات الشعبية. كما أن الموسيقى الحديثة في السعودية كثيرًا ما تتكئ على التراث الشعبي القديم، لتربط الحاضر بالماضي العريق.
علاقتها بالأدب الشعبي
تتقاطع الموسيقى الشعبية السعودية مع الأدب الشعبي في العديد من الجوانب، فهي جزء من التقاليد الشفهية القديمة التي اعتمد عليها الأدب الشعبي في المملكة، فقد كان الأدب الشعبي متوارثًا شفهيًا من جيل إلى جيل، يعتمد على الصوت والسمع والذاكرة، سواء كان شعراً أم نثراً، قبل انتشار وسائل الكتابة والتدوين.
كما أن الأدب الشعبي في السعودية ينتج من المجتمع نفسه، دون التركيز على مؤلف واحد، وينطبق الأمر نفسه على الموسيقى الشعبية، حيث تعود أصولها إلى التراث الشعبي العام، وتنتقل عبر السماع والممارسة اليومية.
الطُروق في الموسيقى السعودية
من أهم عناصر الموسيقى الشعبية في السعودية ما يُعرف بـ”الطُروق” أو “الطواريق”، وهي ألحان قديمة توارثها الناس منذ القدم، وتعتبر جزءًا من التراث الثقافي للأداء التقليدي.
وتتأسس الطروق على بحور شعرية وألحان، بعضها يُؤدى على إيقاعات شعبية، وبعضها بلا إيقاع، وقد أسس الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض على الاستماع إلى طرقات النحاسين والحدادين في الأسواق.
الموسيقى والحياة اليومية
ترتبط الموسيقى الشعبية السعودية بالحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية، مثل الأعراس، مواسم الحصاد، الأعمال اليدوية، التخرّج من كتّاب القرآن، وغيرها من المناسبات.
تتناول أغانيها وقصصها موضوعات مثل الفخر، الشجاعة، الحب، الغزل، الحنين، الرثاء، والرحلات القبلية، ما يجعلها تعبيرًا عن قيم وهوية المجتمع السعودي.
الموسيقى وابنة بيئتها الخاصة
تتميز الموسيقى الشعبية السعودية بأنها متأثرة ببيئتها، سواء كانت ريفية، جبلية، صحراوية، أو بحرية. فمثلاً:
في الأحساء، تنتشر ألحان “الخماري الحساوي”، “دق الحب”، “الهيده”، و”السامري”، وتتميز بالغزل والحب والحنين إلى الطبيعة والمرأة.
في الجبال، تختلف الألحان وطروقها لتعكس القوة والفخامة والحنين والغزل، مثل ألحان “العشي”، “العزاوي”، و”الخطوة”.
في البادية والبحر، تعكس الموسيقى روح الرحلات والصيد والغوص على اللؤلؤ، مع استمرار موضوعات الغزل والحنين.
الاتكاء على الشعر
تعتمد الموسيقى الشعبية السعودية على أشكال مختلفة من الشعر، مثل شعر الزهيري، البوذيات، المروبعات، قصائد البحر الطويل والقصير، وأشكال مثل “المسودسات” و”المسوبعات”. وقد كان الشعراء والموسيقيون يربطون الشعر بالنغم والإيقاع، ويؤدون أغانيهم على آلات مثل السمسمية، الربابة، العود، أو أدوات يومية بسيطة، مثل الطبول المصنوعة من جلود الحيوانات.
النقل عبر الرواة والأجيال
كان الحفاظ على الموسيقى الشعبية السعودية يتم عبر الرواة والممارسين، حيث يقوم المتعلمون بمصاحبة أصحاب الخبرة لحفظ الألحان والشعر والغناء، لتنتقل من جيل إلى آخر، وقد حافظت هذه الطريقة على تراث موسيقي متكامل، يعكس تجارب المجتمع وقيمه الثقافية.
أدوات موسيقية بسيطة
تميزت الموسيقى الشعبية السعودية باستخدام أدوات بسيطة متوفرة في الحياة اليومية، مثل الطبول، العصي، الجحال (أوانٍ فخارية)، والقلن والقواطي، بالإضافة إلى السمسمية المصنوعة من أسلاك النحاس أو أوتار مصارين الأغنام.
الحاجة إلى حفظ التراث
قدمت أجيال من الموهوبين والشخصيات المرموقة في السعودية الموسيقى الشعبية في الحفلات والتسجيلات، مثل الشريف هاشم العبدلي، سعيد أبو خشبة، محسن شلبي، أحمد الفارسي، وإسماعيل كردوس، وصولاً إلى رواد الموسيقى الحديثة مثل مطلق دخيل، طاهر الأحسائي، عيسى الأحسائي، وسالم الحويل.
وقد أصبح الحفاظ على هذا التراث ضرورة وطنية، عبر متاحف، كتب، فعاليات، ومنصات رقمية مخصصة لتعريف الأجيال الحالية والمستقبلية بالموسيقى الشعبية السعودية.