لفترات طويلة، ظل الروك والميتال في السعودية موسيقى تُعزف بعيدًا عن المسارح الكبرى، وتُسمَع في دوائر ضيقة لا تعرف الأضواء، لكنه، ورغم ذلك، لم يختفِ. بل استمر في النمو تحت السطح، محتفظًا بروحه المستقلة ومعبّرًا عن جيل كامل وجد في الصخب لغة بديلة للتعبير عن الذات والاختلاف.
ولادة مشهد من خارج الإطار
مع مطلع الألفينات، بدأت مجموعات صغيرة من الموسيقيين الشباب في تشكيل فرق روك وميتال داخل غرف مغلقة واستوديوهات منزلية، لم يكن هناك دعم إنتاجي أو مساحات عرض، لكن الشغف وحده كان كافيًا لإطلاق مشهد مستقل تشكّل على أسس DIY (افعلها بنفسك)، حيث تولّى الفنانون كل شيء: التأليف، التسجيل، والتوزيع.
فرق صنعت طريقها رغم العزلة
برزت أسماء استطاعت كسر العزلة الجغرافية والوصول إلى جمهور عالمي. فرقة Al-Namrood مثّلت حالة استثنائية، إذ قدمت بلاك ميتال سعودي الهوية، مع بقاء أعضائها مجهولين، بينما صدرت أعمالها عبر شركات إنتاج خارجية ووصلت إلى مستمعين في أوروبا وأميركا.
في المقابل، شكّلت Creative Waste لحظة فارقة حين قدمت أول عرض ميتال علني في السعودية عام 2019، ناقلة المشهد من السرية إلى العلن، ومؤكدة أن هذا اللون الموسيقي بات جزءًا من الحراك الثقافي الجديد.
كما أسهمت فرق مثل Kalabhairava في توسيع التجربة عبر مزج الميتال بالتجريب الصوتي، ما أضاف عمقًا فنيًا للمشهد المحلي.
جمهور قليل… لكنه صلب
لا يتمتع الروك والميتال في السعودية بقاعدة جماهيرية ضخمة، لكنه يملك جمهورًا شديد الالتزام، وهذا الجمهور لا يكتفي بالاستماع، بل يتابع الإصدارات، يدعم الفرق، ويعتبر الموسيقى جزءًا من هويته. هنا، لا تقوم العلاقة على الترفيه فقط، بل على الانتماء لفكرة وثقافة بديلة.
لماذا بقي المشهد في الظل؟
أسباب عديدة أبقت الروك والميتال بعيدين عن الساحة السائدة، أبرزها القيود الاجتماعية السابقة، وغياب الدعم الإعلامي، إضافة إلى الطبيعة المتمردة لهذا النوع الموسيقي.
الميتال، بطبيعته، لا يسعى إلى القبول السهل، بل يفضّل الصدق الفني حتى لو كان ثمنه البقاء في الهامش.
تحولات تفتح الباب
مع التغيرات الثقافية التي شهدتها المملكة منذ عام 2016، بدأت ملامح جديدة بالظهور. صارت العروض العلنية ممكنة، وبدأ الحديث عن المشهد المستقل يأخذ مكانه في الإعلام.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا، إلا أن المؤشرات تؤكد أن الروك والميتال لم يعودا مجرد ظاهرة خفية، بل جزء من تنوع موسيقي آخذ في التشكل.
الروك والميتال في السعودية ليسا موسيقى صاخبة فحسب، بل تجربة ثقافية كاملة نشأت من الهامش ورفضت الانطفاء. مشهد قد لا يكون واسع الانتشار، لكنه صادق، حي، وقادر على إعادة تعريف معنى الموسيقى البديلة في السياق السعودي.