“ليل البنفسج” ليست أغنية عابرة في تاريخ الطرب العراقي؛ إنها حالة كاملة، حالةٌ تجمع بين الشعر والسياسة، وبين الحب والتمرّد، وبين مدينة تبحث عن صوت، وشاعر يكتب بقلب مشتعل.
يُروى أن مظفر النواب كتب القصيدة من مكان أبعد من الرومانسية. كتبها بروح منتمية، محاصرة أحيانًا، ومشتعلة دائمًا، “زهر البنفسج” في شعره لم يكن مجرد رمز عاطفي؛ كان إشارة إلى خنين الوطن، والمهمشين، والذين يمشون في طرق مغلقة بحثًا عن ضوء، بعض الباحثين يرون أن أبيات الأغنية تحتوي رسائل ثورية مخفية، تُقرأ لمن يعرف أن الزهور أحيانًا تتحوّل إلى شعارات في زمن الصمت.
وتحكي روايات أخرى أن السلطات منعت الأغنية في بعض الفترات، إذ رأت في كلماتها خطراً رمزياً؛ فالنص الهادئ كان بالنسبة للبعض خطابًا معارضًا يرتدي قناع العشق، بينما ارتبط عنوان “ليل البنفسج” لدى جمهور آخر بمقهى شهير في الناصرية، كان ملاذًا للشعراء والمناضلين، مما أعطى للأغنية بعدًا شعبيًا مقاومًا.
أما من الناحية الفنية، فإن مظفر النواب يغزل كلمات تتحرك بين الحلم والوجع، “يا طعم… يا ليلة من ليل البنفسج” ليست جملة غنائية؛ إنها علامة في خريطة وجدانية رسمها الشاعر بعناية، مستخدمًا البنفسج رمزًا للغموض، والشغف، والحدود الملتبسة بين الهوى والسياسة.
جاء لحن طالب القره غولي بطيئًا عميقًا، يهمس أكثر مما يغني، لينقل شعور مدينة تتنفس ليلها، وحين وصل النص إلى صوت ياس خضر تحوّل إلى وجدان كامل؛ لم يعد مستمعوه يسمعون أغنية، بل صدى شاعر يحاول أن يقول شيئًا أكبر من الحب، وأن يجعل من العشق منصة للقضية.
إن “ليل البنفسج” ليست قصة رومانسية. إنها أمل، ووجع، وتمرّد… وهي ما زالت، حتى اليوم، واحدة من أكثر الأغاني العراقية التي حملت بين طبقاتها حكاية وطن يختبئ داخل جملة غنائية.