تشهد صناعة السينما والدراما السعودية تحولًا لافتًا في السنوات الأخيرة، لم يقتصر على جودة الصورة أو قوة النصوص، بل امتد إلى عنصر بالغ التأثير: الموسيقى التصويرية، فقد تحولت الموسيقى من دور ثانوي يرافق المشهد إلى عنصر سردي أساسي يحدد الإيقاع العاطفي للأحداث، ويعكس روح المكان والزمن، ويعبر عن الهوية الثقافية المحلية بطرق إبداعية وحديثة.
أصبحت الموسيقى اليوم جزءًا من «DNA» العمل الفني السعودي، وأحد مفاتيح نجاحه، خصوصًا في ظل ازدهار الإنتاج ودعم الهيئات الثقافية للمواهب الفنية الشابة.
الموسيقى كعنصر يحرك السرد
في الأعمال السعودية الحديثة، لم تعد الموسيقى مجرد خلفية، بل باتت تُستخدم لصناعة المزاج العام وتحديد “نبرة” العمل منذ المشهد الأول، فالأعمال التراثية تعتمد على المقامات النجدية والحجازية التي تنقل المشاهد إلى الزمن الماضي، بينما تعتمد الأعمال العصرية على أنماط إلكترونية وإيقاعية تعكس روح المدن الحديثة مثل الرياض وجدة. هذا التوازن بين الأصالة والحداثة سمح للموسيقى بأن تصبح وسيلة فنية لتصوير البيئة السعودية المتنوعة، من الصحراء والبادية إلى المدينة الحديثة.
كما أصبحت المقطوعات الموسيقية «علامات شعورية» تظهر في اللحظات الحاسمة داخل القصة، فتعزز التوتر أو الحنين أو الغضب أو الأمل، وتمنح المشاهد قدرة أكبر على الاندماج مع الشخصيات.
من الأفلام إلى المسلسلات… كيف تغيّرت التجربة السمعية؟
برزت أفلام سعودية حديثة نجحت في تحويل الموسيقى إلى عنصر مؤثر في السرد، مثل فيلم «وجدة» الذي اعتمد على نغمات بسيطة وهادئة عكست براءة البطلة وصراعها الداخلي، وفيلم «شمس المعارف» الذي استخدم موسيقى إلكترونية عصرية تعكس ثقافة الجيل الجديد، وفي المقابل، احتفى فيلم «حد الطار» بالتراث الموسيقي النجدي، مُعيدًا تقديم الإيقاعات الشعبية بلمسة حديثة أكسبته روحًا محلية أصيلة.
أما على مستوى الدراما، فشكّل مسلسل «العاصوف» مثالًا مهمًا على الدور الوثائقي للموسيقى، إذ أعاد إحياء الإيقاعات القديمة المستخدمة في الرياض خلال السبعينيات والثمانينيات، مما جعل المشاهد يعيش التجربة التاريخية لا كمتفرج فقط، بل كجزء من الزمن، ومن جهة أخرى، قدّم مسلسل «رشاش» موسيقى مفعمة بالتوتر والإيقاع السريع، تجمع بين الطابع الغربي والمسات الخليجية، لتعزيز أجواء المطاردة والإثارة في كل حلقة.
الموسيقى التراثية… ذاكرة تُعيد تعريف الهوية
يظهر بوضوح أن صناع السينما والدراما السعودية باتوا يدركون أهمية توظيف الإرث الموسيقي المحلي، سواء من خلال آلات مثل العود والناي والربابة، أو من خلال الإيقاعات الشعبية كالسامري والخبيتي والمجرور، هذا الدمج بين التراث والصوت السينمائي الحديث يمنح الأعمال مصداقية وثقلاً تاريخيًا، ويخلق جسرًا بين ذاكرة الجيل السابق وفضول الجيل الجديد.
فالموسيقى المستمدة من التراث ليست مجرد «زينة»، بل أداة لإحياء الذاكرة الجماعية. مقطع موسيقي واحد يكفي لاستدعاء صور من الماضي، ولمنح المشاهد إحساسًا بالمكان والزمان قبل ظهور أي كلمة على الشاشة.
ملحنون سعوديون يصنعون المستقبل
برز في السنوات الأخيرة عدد من الملحنين السعوديين الذين أسهموا في بناء مشهد موسيقي جديد في السينما والدراما، عبر التخصص في إنتاج موسيقى أصلية (Original Score) تُصاغ خصيصًا للعمل، بدلاً من الاعتماد على مكتبات صوتية جاهزة. هذا التوجه عزز الاحترافية، ورفع جودة الأعمال، وأرسى قاعدة ثابتة لوجود «صوت سعودي» مميز في المنطقة.
كما لعبت هيئة الموسيقى وهيئة الأفلام دورًا محوريًا في دعم هذا المسار، من خلال برامج تطوير المواهب، وتمويل المشاريع، وتمكين الشباب للمشاركة في المهرجانات الدولية.
الموسيقى السعودية… صوتٌ يتقدم للأمام
ما تشهده الأعمال السعودية اليوم من تطور في الموسيقى التصويرية ليس مجرد تحسين تقني، بل هو تغيير ثقافي وفني عميق يؤكد أن الصناعة تتجه إلى العالمية بصوت سعودي واضح. فالموسيقى أصبحت هوية، وذاكرة، وسردًا موازياً للصورة، وركنًا أساسيًا في رحلة بناء مشهد فني متكامل يليق بمستقبل الصناعة في المملكة.