التجربة الغنائية العيسوية: حين تلتقي الخبرة الشعرية بالتحول الموسيقي

قراءة في مشروع شعري غنائي أسّس لمرحلة جديدة في الموسيقى السعودية، وجمع بين الخبرة الشعرية، والتنوّع الإيقاعي، والانفتاح على الفضاء العربي.
لينكدإن
فيسبوك
تويتر
تيليجرام
واتساب

شارك:

تمثل تجربة الشاعر محمد الفهد العيسى واحدة من أكثر التجارب فرادة في تاريخ الأغنية السعودية، إذ تنطلق من مفهوم “شعر الخبرة” أو الشعر الحسّي، الذي يقوم على التجربة الذاتية بوصفها أساسًا للتعبير، بعيدًا عن القوالب الجاهزة أو الأنماط العروضية الصارمة.

هذا الوعي الشعري انعكس بوضوح في منجزه الغنائي، كما ظهر سابقًا في تجربته مع الشعر الفصيح، حين تنقل بين الشكل العمودي وشعر التفعيلة في ديوانيه “ليديا” (1962) و”على مشارف الطريق” (1963).

تنوّع العَروض وتعدد القوالب الغنائية

في الأغنية، لم يكن العيسى أسير بحرٍ واحد أو إيقاع ثابت، بل تنقل بين بحور شعرية متعددة مثل الهزج والمجتث والمتدارك، إلى جانب أوزان الشعر النبطي، وعلى رأسها المسحوب (السريع).

هذا التنوع لم يكن تقنيًا فقط، بل صاحبه وعي بقوالب الغناء نفسها، متنقلاً بين الأغنية الطربية، والأغنية الراقصة، وقالب النشيد، ما منح نصوصه قابلية عالية للتلحين والتداول.

الوعي بالإيقاع العربي وتقاطعاته الإقليمية

امتلك العيسى معرفة عميقة بخزّان الإيقاع في الشعر العامي العربي، وبالأبنية العروضية التي طُوّرت في الأغنية المصرية والعراقية منذ الربع الأول من القرن العشرين، تلك التجارب، التي تشكّلت بين عامي 1925 و1948، كانت مرجعًا أساسيًا لنموذج الغناء العربي الحديث، وهو ما انعكس على وعيه الفني، خصوصًا في تعاونه مع الموسيقار طارق عبد الحكيم.

العيسى وطارق عبد الحكيم: تفكيك الغناء الحجازي وإعادة تركيبه

شكّل لقاء العيسى بعبد الحكيم لحظة مفصلية في تاريخ الأغنية السعودية، حيث التقت التجربة الشعرية الحسّية مع مشروع موسيقي يسعى لإعادة تفكيك الغناء الحجازي وتركيبه، اعتمد هذا المشروع على العناصر العربية الممتدة على مسار “رحلة الإيلاف” من جنوب الجزيرة حتى بلاد الشام، مع استيعاب تأثيرات آسيوية وأفريقية وصلت عبر الحج والتجارة والموانئ، من زنجبار وجاوة إلى البحر الأحمر وبحر العرب.

المرحلة المصرية: الانفتاح على الأصوات العربية

في مطلع الخمسينيات، شارك العيسى في أعمال غنائية سُجلت في القاهرة، تعاون خلالها مع أصوات نسائية عربية بارزة مثل نجاة الصغيرة وفايزة أحمد، إضافة إلى عبد الحكيم نفسه، هذه المرحلة مثّلت ذروة انفتاح الأغنية السعودية على الفضاء العربي، وأسهمت في صقل لغة غنائية عابرة للحدود المحلية.

العودة إلى الوطن وتحوّل المسار المؤسسي

مع منتصف الخمسينيات، عاد طارق عبد الحكيم إلى السعودية ليؤسس مدرسة موسيقات الجيش، فيما واصل العيسى مساره الوظيفي والثقافي، متنقلاً بين العمل الحكومي والبحث التاريخي، وناشرًا دراساته في مجلة “العرب”، بالتوازي، لم يتوقف نشاطه الإبداعي، بل أصدر ديوانيه الشعريين في الستينيات، رغم ما واجهه من هجوم اجتماعي محافظ دفعه إلى عزلة اختيارية.

الحقبة اللبنانية: انفجار الأغنية العاطفية

بين عامي 1968 و1974، شكّلت بيروت محطة جديدة في مسيرة العيسى وعبد الحكيم، حيث أُنتجت مجموعة من الأسطوانات بالتعاون مع مغنين ومغنيات من لبنان، في هذه المرحلة كتب العيسى أغنيات ستصبح علامات فارقة، أبرزها “حبيبي ضمني ضمة”، التي غنتها سميرة توفيق وحققت انتشارًا واسعًا، مقدّمة خطابًا عاطفيًا جريئًا قياسًا بذائقة تلك المرحلة.

تحوّلات النص والرقابة والذائقة الاجتماعية

تكشف مقارنة نسخ “حبيبي ضمني ضمة” بين تسجيلاتها المختلفة عن تحولات الرقيب الاجتماعي واختلاف موقع المتكلم بين المؤنث والمذكر، النسخة التي قدّمها طلال مداح، بتعديلات نصية وزيادات تعبيرية، وضعت الأغنية في تماس مباشر مع حدود المقبول اجتماعيًا، وهو ما يفسر الجدل الذي رافقها، ويضيء على طبيعة الصراع بين الإبداع الغنائي والرقابة في تلك الفترة.

أثر التجربة العيسوية في الأغنية السعودية

يمكن النظر إلى تجربة محمد الفهد العيسى بوصفها حجر أساس في تحديث الأغنية السعودية، ليس فقط من حيث النص، بل من حيث علاقتها بالإيقاع، والجرأة التعبيرية، والانفتاح على التجارب العربية، وقد شكّلت هذه التجربة مرجعًا غير مباشر لأجيال لاحقة، كان من بينها طلال مداح نفسه، الذي واصل تقاليد فنية أرساها العيسى وعبد الحكيم معًا.

العلامات

اقرأ أيضاً

Immortal Pain… فرقة الميتال السعودية التي كسرت العزلة وخرجت إلى المشهد العام

مع اتساع مساحة الفنون البديلة في المملكة العربية السعودية خلال العقدين الأخيرين، بدأت موسيقى الميتال تشق طريقها من الهامش إلى الواجهة. 

وفي قلب هذا التحول، يبرز اسم Immortal Pain كواحد من أهم الفرق التي أسهمت في نقل موسيقى الـDeath Metal من الدوائر المغلقة إلى الفضاء العام، لتصبح علامة فارقة في تاريخ المشهد الموسيقي السعودي.

التأسيس والبدايات: انطلاقة من جدة

تأسست فرقة Immortal Pain في مدينة جدة عام 2005، كأحد أوائل المشاريع الجادة التي تبنت موسيقى الـDeath Metal في المملكة. وضمت الفرقة في تشكيلها الأساسي عماد عاشور، رشيد عطار، معيّد الشمّري، وأنان الصبّان. 

ومنذ بدايتها، اتجهت الفرقة إلى تقديم موسيقى تمزج بين الـThrash Metal والـMelodic Death Metal، مستلهمة مدارس عالمية عريقة، مع السعي لبناء هوية صوتية مستقلة.

المسيرة الفنية: من المشهد المغلق إلى الجمهور الواسع

على مدار سنوات نشاطها، شاركت Immortal Pain في عروض موسيقية متعددة داخل مدن سعودية مختلفة، من بينها جدة والرياض والدمام. 

ومع الوقت، تحولت الفرقة إلى أحد الأسماء المحورية في مشهد الميتال المحلي، وصولًا إلى محطة مفصلية عندما أصبحت أول فرقة ميتال سعودية تقدم عرضًا ضمن حدث عام واسع النطاق خلال Comic Con Arabia في جدة، وهو ظهور شكّل نقطة تحول تاريخية للموسيقى الثقيلة في المملكة.

الإنتاج الموسيقي: تثبيت الهوية الفنية

قدمت Immortal Pain عددًا من التسجيلات التجريبية عبر سنواتها الأولى، قبل أن تطلق أول عمل رسمي لها بعنوان “Unhealed” في مايو 2022، هذا الإصدار أكد استمرار الفرقة في مسارها الفني، ورسّخ حضورها كفرقة نشطة قادرة على التطور والاستمرار ضمن مشهد سريع التغير.

الأسلوب والرؤية: موسيقى مستمدة من الواقع

تعتمد Immortal Pain في مقاربتها الموسيقية على بناء صوتي كثيف وإيقاعات حادة، مع اهتمام خاص بالتفاصيل السمعية والتكوين العام للأغنية. 

ويظهر في أعمالها تأثر واضح بالبيئة المحيطة والحياة اليومية، ما يمنح موسيقاها طابعًا تعبيريًا يعكس توتر الإنسان وأسئلته الوجودية، وهو ما ينسجم مع روح الـDeath Metal عالميًا.

التأثير الثقافي: ريادة داخل المشهد البديل

لا تقتصر أهمية Immortal Pain على إنتاجها الموسيقي فحسب، بل تمتد إلى دورها الريادي في ترسيخ ثقافة الميتال داخل المملكة، فقد أسهمت الفرقة في كسر الصور النمطية المرتبطة بهذا النوع الموسيقي، وفتحت المجال أمام فرق أخرى للظهور في فعاليات عامة، ما جعلها مرجعًا أساسيًا في تاريخ الموسيقى البديلة السعودية.

 مسار راسخ في تاريخ الميتال السعودي

تمثل فرقة Immortal Pain تجربة فنية متكاملة، تجاوزت حدود التجربة الفردية لتصبح جزءًا من التحول الثقافي الأوسع في المملكة، ومع تاريخ يمتد لأكثر من عقدين، وإنجازات أسهمت في تغيير شكل المشهد، تظل Immortal Pain واحدة من أهم الفرق التي أرست قواعد الميتال السعودي الحديث.

DUNE.. صرخة الميتال السعودي التي تعيد تشكيل المشهد الموسيقي

يشهد المشهد الموسيقي في المملكة العربية السعودية تحولات لافتة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في مساحة الموسيقى البديلة، ومن بين الأسماء التي برزت بقوة في هذا السياق، تأتي فرقة DUNE كواحدة من الفرق التي استطاعت أن تفرض نفسها في مشهد الميتال المحلي، عبر صوت ثقيل وهوية موسيقية واضحة، جعلتها محط اهتمام جمهور هذا اللون الموسيقي.

النشأة والتكوين: من الشغف إلى المشروع الفني

تأسست فرقة DUNE على يد مجموعة من الموسيقيين السعوديين الذين جمعهم شغف مشترك بموسيقى الميتال، وسعي جاد لتقديم تجربة مختلفة داخل الساحة المحلية.

 بدأت الفرقة رحلتها من تجارب موسيقية خاصة وجلساتعزف مغلقة، قبل أن تتبلور ككيان فني مستقل يسعى إلى المزج بين التأثيرات العالمية للميتال والبيئة الثقافية المحلية التي تنتمي إليها.

المسيرة الفنية: حضور متنامٍ في الفعاليات المحلية

مع تطور تجربتها، بدأت فرقة DUNE في الظهور ضمن حفلات وفعاليات موسيقية تستهدف جمهور الميتال في السعودية.

 وتميزت عروضها الحية بطاقة عالية وأداء مسرحي مكثف، ما ساهم في ترسيخ اسمها كأحد الأصوات الصاعدة في هذا المشهد.

كما ارتبطت الفرقة بحراك أوسع يضم فرقًا سعودية أخرى مثل Black Acid وThe Retaliators، في إطار مشهد موسيقي بديل يسعى إلى بناء قاعدة جماهيرية أكثر اتساعًا وتماسكًا.

الأعمال الموسيقية: بصمة خاصة وهوية واضحة

رغم حداثة تجربتها نسبيًا، استطاعت DUNE أن تقدم أعمالًا موسيقية تعكس فهمًا عميقًا لروح الميتال، من حيث الإيقاعات الثقيلة والبناء الصوتي المكثف، وتتناول موسيقاها موضوعات ترتبط بالإنسان، والصراع الداخلي، والتحولات النفسية، وهي عناصر لاقت صدى لدى شريحة متزايدة من جمهور الموسيقى البديلة في المملكة.

البعد الثقافي: أكثر من مجرد فرقة

لا يقتصر دور فرقة DUNE على تقديم الموسيقى فحسب، بل تمتد مساهمتها إلى دعم مشهد الميتال السعودي ككل، من خلال المشاركة في الفعاليات المشتركة، وخلق مساحة تواصل بين الفرق والجمهور، وهذا الحضور يجعلها جزءًا من حركة ثقافية تسعى إلى الموسيقى البديلة كجزء من التنوع الفني في السعودية.

مسار مفتوح على المستقبل

مع استمرار نشاطها وتزايد حضورها، تبدو فرقة DUNE مرشحة للعب دور أكبر في مستقبل الميتال السعودي، فهي تمثل نموذجًا لجيل جديد من الفرق التي تعمل على كسر القوالب التقليدية، وبناء هوية موسيقية محلية قادرة على التواصل مع العالم.

النمرود… صوت البلاك ميتال السعودي خارج السائد

 منذ بدايتها، اعتمدت الفرقة على إخفاء هويات أعضائها واستخدام أسماء مستعارة، في خطوة تعكس حساسية البيئة التي تعمل ضمنها، وتؤكد الطابع السري الذي رافق مسيرتها منذ اللحظة الأولى.

المسار الفني: بلاك ميتال بنكهة محلية

تميّزت النمرود بتقديم موسيقى بلاك ميتال ذات طابع خاص، تمزج بين القسوة الصوتية الغربية والإيقاعات والمقامات الشرقية، هذا المفي أقصى أطراف المشهد الموسيقي السعودي، حيث تتحرك الموسيقى البديلة بعيدًا عن الأضواء التقليدية، برز اسم النمرود كأحد أكثر المشاريع الموسيقية إثارة للجدل والتأثير. 

فرقة بلاك ميتال سعودية اتخذت من الغموض والتمرد الفني مسارًا لها، لتصنع حضورًا عالميًا لافتًا رغم القيود المحلية والتحديات الثقافية.

التأسيس والبدايات: مشروع من الهامش

تأسست فرقة النمرود عام 2008 داخل المملكة العربية السعودية، واختارت اسمها المستوحى من شخصية تاريخية ارتبطت بالتمرّد والعصيان، في دلالة واضحة على طبيعة المشروع الفني والفكري للفرقة.

زج منحها هوية فريدة داخل المشهد العالمي، وجعل أعمالها مختلفة عن القوالب التقليدية لهذا النوع الموسيقي. 

وعلى الرغم من انطلاقها من بيئة مغلقة، نجحت الفرقة في الوصول إلى جمهور دولي عبر التعاون مع شركات إنتاج خارجية، أبرزها Shaytan Productions الكندية.

الإنتاج الموسيقي: حضور عالمي من خلف الستار

أصدرت فرقة النمرود عددًا من الألبومات التي حظيت باهتمام واسع في أوساط البلاك ميتال العالمية، من بينها:

استُفحِل الثأر (2009)

أسطورة طاغوت (2010)

كتاب الأوثان (2012)

حين يظهر الغسق (2014)

عكست هذه الأعمال رؤية فنية تعتمد على الرمزية، واللغة العربية، والبناء الموسيقي الكثيف، ما جعل الفرقة حالة استثنائية داخل تصنيفها.

الرؤية والأسلوب: فن قائم على الغموض

تعتمد النمرود على الغموض كجزء أساسي من مشروعها، سواء على مستوى الهوية أو الخطاب الفني، هذا الغموض لم يكن عنصرًا دعائيًا فقط، بل أصبح جزءًا من التجربة السمعية والبصرية التي تقدمها، وأسهم في تعزيز صورتها كفرقة تعمل خارج الأطر التقليدية للمشهد الموسيقي العربي.

التأثير الثقافي: ظاهرة تتجاوز الموسيقى

تجاوز تأثير فرقة النمرود حدود الموسيقى، لتتحول إلى ظاهرة ثقافية داخل النقاشات المتعلقة بحرية التعبير والفنون البديلة في المنطقة.

 فقد مثّلت نموذجًا لمشروع فني عربي استطاع أن يخترق السوق العالمي دون أن يتنازل عن لغته أو رموزه أو هويته المحلية.

اسم راسخ في تاريخ البلاك ميتال العربي

تمثل فرقة النمرود واحدة من أكثر التجارب الموسيقية جرأة في السعودية والعالم العربي، تجربة تشكّلت في الظل، لكنها استطاعت أن تترك أثرًا واضحًا في مشهد البلاك ميتال العالمي، وتؤكد أن الموسيقى، مهما كانت هامشية أو صادمة، قادرة على عبور الحدود وصناعة حضورها الخاص.

بحث في الصوالين

ابدأ بكتابة كلمة للبحث…