تمثل تجربة الشاعر محمد الفهد العيسى واحدة من أكثر التجارب فرادة في تاريخ الأغنية السعودية، إذ تنطلق من مفهوم “شعر الخبرة” أو الشعر الحسّي، الذي يقوم على التجربة الذاتية بوصفها أساسًا للتعبير، بعيدًا عن القوالب الجاهزة أو الأنماط العروضية الصارمة.
هذا الوعي الشعري انعكس بوضوح في منجزه الغنائي، كما ظهر سابقًا في تجربته مع الشعر الفصيح، حين تنقل بين الشكل العمودي وشعر التفعيلة في ديوانيه “ليديا” (1962) و”على مشارف الطريق” (1963).
تنوّع العَروض وتعدد القوالب الغنائية
في الأغنية، لم يكن العيسى أسير بحرٍ واحد أو إيقاع ثابت، بل تنقل بين بحور شعرية متعددة مثل الهزج والمجتث والمتدارك، إلى جانب أوزان الشعر النبطي، وعلى رأسها المسحوب (السريع).
هذا التنوع لم يكن تقنيًا فقط، بل صاحبه وعي بقوالب الغناء نفسها، متنقلاً بين الأغنية الطربية، والأغنية الراقصة، وقالب النشيد، ما منح نصوصه قابلية عالية للتلحين والتداول.
الوعي بالإيقاع العربي وتقاطعاته الإقليمية
امتلك العيسى معرفة عميقة بخزّان الإيقاع في الشعر العامي العربي، وبالأبنية العروضية التي طُوّرت في الأغنية المصرية والعراقية منذ الربع الأول من القرن العشرين، تلك التجارب، التي تشكّلت بين عامي 1925 و1948، كانت مرجعًا أساسيًا لنموذج الغناء العربي الحديث، وهو ما انعكس على وعيه الفني، خصوصًا في تعاونه مع الموسيقار طارق عبد الحكيم.
العيسى وطارق عبد الحكيم: تفكيك الغناء الحجازي وإعادة تركيبه
شكّل لقاء العيسى بعبد الحكيم لحظة مفصلية في تاريخ الأغنية السعودية، حيث التقت التجربة الشعرية الحسّية مع مشروع موسيقي يسعى لإعادة تفكيك الغناء الحجازي وتركيبه، اعتمد هذا المشروع على العناصر العربية الممتدة على مسار “رحلة الإيلاف” من جنوب الجزيرة حتى بلاد الشام، مع استيعاب تأثيرات آسيوية وأفريقية وصلت عبر الحج والتجارة والموانئ، من زنجبار وجاوة إلى البحر الأحمر وبحر العرب.
المرحلة المصرية: الانفتاح على الأصوات العربية
في مطلع الخمسينيات، شارك العيسى في أعمال غنائية سُجلت في القاهرة، تعاون خلالها مع أصوات نسائية عربية بارزة مثل نجاة الصغيرة وفايزة أحمد، إضافة إلى عبد الحكيم نفسه، هذه المرحلة مثّلت ذروة انفتاح الأغنية السعودية على الفضاء العربي، وأسهمت في صقل لغة غنائية عابرة للحدود المحلية.
العودة إلى الوطن وتحوّل المسار المؤسسي
مع منتصف الخمسينيات، عاد طارق عبد الحكيم إلى السعودية ليؤسس مدرسة موسيقات الجيش، فيما واصل العيسى مساره الوظيفي والثقافي، متنقلاً بين العمل الحكومي والبحث التاريخي، وناشرًا دراساته في مجلة “العرب”، بالتوازي، لم يتوقف نشاطه الإبداعي، بل أصدر ديوانيه الشعريين في الستينيات، رغم ما واجهه من هجوم اجتماعي محافظ دفعه إلى عزلة اختيارية.
الحقبة اللبنانية: انفجار الأغنية العاطفية
بين عامي 1968 و1974، شكّلت بيروت محطة جديدة في مسيرة العيسى وعبد الحكيم، حيث أُنتجت مجموعة من الأسطوانات بالتعاون مع مغنين ومغنيات من لبنان، في هذه المرحلة كتب العيسى أغنيات ستصبح علامات فارقة، أبرزها “حبيبي ضمني ضمة”، التي غنتها سميرة توفيق وحققت انتشارًا واسعًا، مقدّمة خطابًا عاطفيًا جريئًا قياسًا بذائقة تلك المرحلة.
تحوّلات النص والرقابة والذائقة الاجتماعية
تكشف مقارنة نسخ “حبيبي ضمني ضمة” بين تسجيلاتها المختلفة عن تحولات الرقيب الاجتماعي واختلاف موقع المتكلم بين المؤنث والمذكر، النسخة التي قدّمها طلال مداح، بتعديلات نصية وزيادات تعبيرية، وضعت الأغنية في تماس مباشر مع حدود المقبول اجتماعيًا، وهو ما يفسر الجدل الذي رافقها، ويضيء على طبيعة الصراع بين الإبداع الغنائي والرقابة في تلك الفترة.
أثر التجربة العيسوية في الأغنية السعودية
يمكن النظر إلى تجربة محمد الفهد العيسى بوصفها حجر أساس في تحديث الأغنية السعودية، ليس فقط من حيث النص، بل من حيث علاقتها بالإيقاع، والجرأة التعبيرية، والانفتاح على التجارب العربية، وقد شكّلت هذه التجربة مرجعًا غير مباشر لأجيال لاحقة، كان من بينها طلال مداح نفسه، الذي واصل تقاليد فنية أرساها العيسى وعبد الحكيم معًا.